اقتراع المغتربين: بين السياسة والقانون (2/2)
د. سليم الزيبق
Friday, 17-Oct-2025 07:28

إنّ قانون الانتخابات النيابية يحتل المرتبة الثانية بعد الدستور، من حيث انعكاساته على الحياة السياسية وعلى عمل المؤسسات الدستورية. بالنسبة إلى موضوعنا، أي مشاركة المغتربين في العملية الانتخابية وآلية هذه المشاركة، تزداد أهمية هذه الانعكاسات لكَونها تمسُّ مباشرة حجم الجسم الانتخابي، وتؤثر بالتالي على الحجم التمثيلي للأحزاب والمجموعات المتنافسة. انطلاقاً من ذلك وبعد تناول الأبعاد القانونية لهذه المشاركة في الجزء الأول من هذا المقال، (الجمهورية 10/10 /2025 ص. 6) يتعيّن الإنتقال إلى دراسة أبعادها السياسية.

الأبعاد السياسية

لا رَيب أنّ مشاركة المغتربين في العملية الإنتخابية النيابية تُشكِّل موضوعاً ذا أبعادٍ سياسية عميقة ومتشعبة. يقول مكيافيلي: «إنّ السياسة ليست في كل شيء، غير أنّها تهتم بكل شيء»، فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بلبنان وبموضوع يرتبط ارتباطاً مباشراً بالتوازنات الحزبية والطائفية وبالمتغيّرات في الخريطة الانتخابية؟

 

في المطلق، تُعتبَر مشاركة المغتربين في العملية الإنتخابية خطوة نوعية نحو «ربط لبنان المُقيم بلبنان المنتشر»، شعار الحكومات المتتابعة منذ فجر الاستقلال، وتجسيداً لرمز وطني يتمثل في إشراك شريحة أساسية من الشعب في اتخاذ القرار السياسي. وعليه، كان من المفترض أن تستدعي هذه المشاركة نقاشاً هادئاً ومسؤولاً يرقى إلى مستوى الأهداف المرجوّة منها. إلّا أنّ الهواجس الطائفية، معطوفةً على الواقع الديموغرافي وعلى المتغيّرات السياسية الإقليمية والداخلية الأخيرة، أدّت إلى تخطّي النقاش الجانب القانوني ليتحوّل إلى مادة للتجاذب وإلى ستار لمواجهة سياسية حامية.

 

في ظلّ هذه الظروف، لا يسع المراقب إلّا أن يلاحظ، للأسف الشديد، أنّ هذا الصراع يهدف في الحقيقة إلى استخدام المغتربين في النزاعات السياسية الداخلية أكثر ممّا يهدف إلى إشراكهم في صنع القرار الوطني.

 

إنّ التحليل الموضوعي لمُجمل الحجج التي تُسوّقها الأطراف المتنازعة يصُبّ في اتجاه هذا الاستنتاج. بادئ ذي بدء، تجدر الإشارة إلى أنّ الكتلة النيابية الوحيدة التي لم تُصوِّت على القانون رقم 44 الصادر بتاريخ 12/6/2017، موضوع النزاع، هي كتلة نواب حزب «الكتائب» المؤلفة آنذاك من 4 نواب، ممّا يُفسر عدم مراقبة المجلس الدستوري لهذا القانون، نظراً لعدم توفّر 10 نواب على الأقل لتقديم مراجعة الطعن.

 

إنطلاقاً من هذه الحقيقة، يمكن القول إنّ الكتل النيابية الأخرى، ككتلة «القوات اللبنانية» مرفودةً بكتل نيابية صغيرة وبما يُسمّى بالنواب «التغييريين»، التي بدّلت موقفها، لتدافع اليوم عمّا رفضته أمس، أي اقتراع المغتربين لـ 128 نائباً، لم تُقدِّم أي تبرير يستند إلى معطيات مَوضوعية تُفسّر هذا التغيير.

 

من المدهش أيضاً أنّ هذا التغيير في المواقف لا يقتصر على طرف واحد من طرفَي النزاع. فـ «الثنائي الشيعي» الذي يعتبر اليوم أنّ القانون النافذ، أي القانون الذي يحصر حصة المغتربين في 6 مقاعد، «لا يتقدّم عليه إلّا الإنجيل أو القرآن»، استعمل سنة 2021 جميع الوسائل المُتاحة لتعليق العمل، ولو لمرّة واحدة، بهذا القانون.

 

ففي 22 تشرين الأول 2021، ردّ الرئيس السابق العماد ميشال عون إلى مجلس النواب، بموجب مرسوم رقم 8421، قانون تعليق العمل بالمادة 122 الذي صوّت عليه «الثنائي الشيعي». إلّا أنّ مجلس النواب أصرّ بأغلبية 61 صوتاً على القانون الذي صدر بتاريخ 3 تشرين الثاني 2021 تحت الرقم 8 /2021. وعندما تقدّم حينها مجموعة من نواب «التيار الوطني الحرّ» بطعن أمام المجلس الدستوري، لم يتمكن هذا المجلس، بقدرة قادر، من الوصول إلى قرار بالأكثرية المطلوبة، الأمر الذي أدّى إلى بقاء التعديلات سارية المفعول (أنظر مقالنا «لا قرار المجلس الدستوري: ضربة لصدقية العدالة الدستورية؟»، النهار، 3 شباط 2024).

 

إنّ هشاشة الحجج التي يُسوّقها طرفا النزاع حول مسألة اقتراع المغتربين تكشف عن حقيقة أعمق ممّا يبدو من ظاهر النقاش، لكَيْ لا نقول المماحكة. إذ كيف يمكن القول إنّ المتغيّرات السياسية الداخلية والخارجية الناتجة من الحرب في غزة تعوق فريقاً من القيام بحملته الانتخابية، عندما يتعلّق الأمر باقتراع المغتربين لـ 128 نائباً وليس لـ 6 نواب وعلى مستوى القارات الست؟

 

في الوقت عينه، عندما نتكلّم عن تمثيل المغتربين، أليسَ من المنطق أن يختار هؤلاء، كما في بقية البلدان، مَن يُمثلهم؟ أليسَ «أهل مكة أدرى بشعابها؟». ففي فرنسا، حيث يُخصِّص الدستور في المادة 24 منه 11 نائباً للفرنسيِّين المقيمين في الخارج، يحق لكل فرنسي، مهما كان مكان إقامته، أن يترشح لشغل أحد هذه المقاعد، غير أنّ حق الإقتراع يقتصر على الفرنسيِّين المسجّلين في الخارج.

 

ثم كيف يمكن الادّعاء بالدفاع عن حقوق المغتربين عندما نقول إنّ الهدف من اقتراعهم في دوائر قيدهم هو حثهم على الرجوع إلى ربوع الوطن! وليس الوقوف على هواجسهم ومشاكلهم، لأنّ ذلك يقع على عاتق وزارة الخارجية؟ ألا يُشكّل هذا اعترافاً ضمنياً بأنّ ما تُريده بعض الأطراف السياسية ليس تمثيل المغتربين، وإنّما أصواتهم الانتخابية فقط؟ وهكذا، بالإضافة إلى معاناة المغتربين من استخدامهم «كدفتر شيكات» و«كصندوق تعاضدي للضمان الاجتماعي» بسبب فشل الطبقة السياسية وفسادها، تُريد هذه الطبقة أن تُكلِّف اليوم المغتربين بمهمّة جديدة: التصويت لها وتجديد الثقة بها.

 

إنّ هذه المعركة «الوجودية»، على حدٍّ تعبير طرفَي النزاع، تُعطي صورة قاتمة للبنانيِّين، عن العمل البرلماني والممارسة السياسية بشكل عام. فمن المؤسف أن نرى بعض الأطراف السياسية تلجأ إلى استعمال النِصاب وسيلة لتعطيل العمل البرلماني، بعدما قالت، عن حق، في هذا التعطيل ما لم يقله المتنبّي في هجاء كافور. فالنِصاب الذي هو في الأساس معيار من معايير قانونية وشرعية القرار، تحوّل في لبنان إلى وسيلة من وسائل الصراع السياسي. وهذا ما يدلّ إلى تجاهل لجوهر مفهوم الديموقراطية، أي اعتراف وقبول الأقلية بقرارات الأكثرية.

 

بالإضافة إلى ذلك، تكمن خطورة هذا النزاع في احتمال إيقاظه الحساسيات الطائفية بين المغتربين، بعدما ساهم العيش في بلاد الإغتراب في الحدّ من أخطار هذه الآفة. لأنّ «ما وراء الأكمّة «، وما لا يجرؤ رجال السياسة على الاعتراف به، هو البُعد الطائفي لهذا الصراع. فمن المعلوم أنّ معظم المغتربين من الطوائف المسيحية، وخصوصاً الموارنة، بالإضافة إلى جاليات كبيرة من الشيعة والسنّة والدروز. لذلك، فإنّ بعض القوى المسيحية ترى أنّ انتخاب المغتربين في دوائر قَيدهم في الظروف الحالية، يُشكّل وسيلة لاستعادة الوزن الديموغرافي المسيحي الذي تراجع في لبنان.

 

في المقابل، تخشى قوى أخرى، كـ«الثنائي الشيعي»، من أن يؤدّي اقتراع المغتربين لـ128 نائباً إلى تغيير موازين القوى في المجلس لصالح خصومهم.

 

تشير دراسات «الدولية للمعلومات» إلى أنّه في آخر انتخابات نيابية تسجّل 225 ألف مغترب ولم يقترع منهم إلّا 141 ألفاً، ممّا يُشكِّل نسبة ضئيلة قياساً على عدد اللبنانيِّين المغتربين الهائل.

 

في الواقع، إنّ لسان حال أغلبية المغتربين يهمس بمرارة: «أَبَعْدَ أن هجّرتُمونا ونهبتُم أموالنا، تُريدون أصواتنا؟».

الأكثر قراءة