الدعم الروسي في الاحتجاجات الجورجية والانقسام بين المعارضة والنظام
د. خالد العزّي
Saturday, 11-Oct-2025 06:59

شهدت جورجيا في 4 تشرين الأول 2023 احتجاجات حاشدة، كانت بمثابة اختبار حقيقي للنظام الحاكم في البلاد. هذه الاحتجاجات، التي جمعت قوى معارضة ضدّ الحكومة الجورجية، تصاعدت بسرعة لتصل إلى مواجهات مع قوات الأمن واعتقالات في صفوف المشاركين. في خضم هذه الأحداث، ظهرت تساؤلات حول دور القوى الخارجية، وخصوصاً روسيا، في دعم النظام الجورجي القائم والتأثير على مجريات الاحتجاجات.

الدعم الروسي للنظام الجورجي: سياسة استراتيجية

 

منذ بداية الأزمة في جورجيا، لم يُخفَ تأثير روسيا على الساحة السياسية. فموسكو، التي لطالما كانت تُعتبَر جورجيا جزءاً من مجال نفوذها الإقليمي، كانت حريصة على منع أي تحوّلات قد تُؤدّي إلى تقارب جورجيا مع الغرب، سواء عبر الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي (الناتو).

 

بعد وصول «حزب الحُلم الجورجي» إلى السلطة في عام 2012، بدأت الجهود لتحسين العلاقات مع روسيا، وهي جهود شابها دائماً الحذر بسبب التوترات الناتجة من حرب 2008. لكن في سياق الاحتجاجات الأخيرة، كان هناك دعم غير مباشر من روسيا للنظام الجورجي، وهو دعم تجسّد في صُوَرعدة:

 

أولاً، من خلال عدم التدخّل العلني في التظاهرات، بل الاكتفاء بمراقبتها من كثب، مع إرسال رسائل دعم ضمنية للسلطات الجورجية عبر وسائل الإعلام والقنوات الديبلوماسية.

ثانياً، من خلال تشجيع الخطاب الذي تتبنّاه الحكومة الجورجية، إذ يرى في الاحتجاجات «محاولة انقلاب مدعومة من الخارج»، ممّا يعكس الموقف الروسي التقليدي في التعامل مع القضايا السياسية في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي.

 

احتجاجات عارمة ضدّ القوانين

الاحتجاجات التي اندلعت في 4 تشرين الأول 2023 كانت نتيجة لتصاعد الغضب الشعبي ضدّ سياسات الحكومة الجورجية، وخصوصاً في ما يتعلّق بالحُرّيات السياسية وحقوق الإنسان. فكانت هناك احتجاجات عارمة ضدّ القوانين التي يعتبرها المتظاهرون مُقيِّدة لحُرّية الصحافة والمجتمع المدني، بالإضافة إلى ما وصفه المعارضون بالفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

 

بينما ترى المعارضة أنّ هذه الاحتجاجات تُمثل فرصة للتغيير، خصوصاً بعد مواقف الحكومة التي وصفوها بأنّها مقرّبة بشكل مبالغ فيه من موسكو، يرى النظام في هذه التحرّكات محاولةً لإحداث فوضى سياسية تستفيد منها القوى الخارجية المناوئة لجورجيا.

 

في هذا السياق، كان الموقف الروسي ذا أهمية بالغة. موسكو لا تريد أن ترى جورجيا تتخذ خطوات نحو الانضمام إلى الناتو أو الاتحاد الأوروبي، فهي تعتبر هذا تهديداً لمصالحها الأمنية والإستراتيجية في المنطقة. لذلك، كان يُعتقد أنّ روسيا قد تدعم النظام الجورجي بشكل غير علني، عن طريق تغذية الخطاب الذي ينقل الاحتجاجات على أنّها محاولة انقلابية مدعومة من الخارج.

 

من ناحية أخرى، اعتبرت المعارضة أنّ هناك مؤامرة داخلية مدعومة من قوى خارجية (من بينها روسيا) للحفاظ على النظام القائم، الذي تمسّك بالحُكم عبر سياسات مقرّبة من موسكو. اتهمت المعارضة الحكومة بأنّها تعمل على ترسيخ «حُكم فردي» تسانده قوى خارجية تهدف إلى إعاقة التوجّه الجورجي نحو الغرب.

 

التدخّل الروسي غير المباشر

على رغم من أنّ روسيا لم تتدخّل عسكرياً أو أمنياً خلال الاحتجاجات في جورجيا، إلّا أنّ موسكو لعِبت دوراً غير مباشر، عبر التأثير على وسائل الإعلام الجورجية الموالية لها. فصُوِّرت الاحتجاجات على أنّها جزء من مؤامرة دولية ضدّ استقرار الدولة. ونقلت وسائل الإعلام الموالية للنظام الجورجي روايات تُروِّج بأنّ الاحتجاجات كانت مدفوعة من قوى خارجية تهدف إلى إضعاف النظام.

 

هذا الدعم الروسي كان يُعتبَر محاولةً لتوجيه الرأي العام الجورجي نحو دعم الحكومة، أو على الأقل لمنع تحوّل الاحتجاجات إلى انتفاضة قد تُهدِّد النظام القائم. وبهذا الشكل، عملت روسيا على الحفاظ على استقرار النظام الجورجي بما يضمَن استمرار نفوذها في المنطقة.

 

ردود الفعل الدولية والتفاعل مع الدعم الروسي

بينما دعمت بعض القوى الدولية المعارضة الجورجية، خصوصاً عبر تسليط الضوء على الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان في البلاد، كانت روسيا أكثر حذراً. لم تُقدِّم موسكو دعماً علنياً للحكومة الجورجية خلال الاحتجاجات، لكنّها تفهّمت الظروف التي يمرّ فيها النظام، وامتنعت عن إدانة الإجراءات التي اتخذتها السلطات ضدّ المتظاهرين.

 

اتسمت التصريحات الرسمية من موسكو بالحياد، إلّا أنّ الخطاب السياسي والإعلامي الروسي استمرّ في دعم الحكومة الجورجية عبر انتقاد المعارضة وتحميلها مسؤولية الفوضى. هذا التأثير غير المباشر يعكس الاستراتيجية الروسية التي تُركّز على استقرار النظام والحفاظ على نفوذها في المنطقة، مع تجنّب التدخّلات التي قد تزيد الضغط الدولي عليها.

 

دور موسكو في الحفاظ على الاستقرار الجورجي

مهما كان شكل الدعم الروسي، فإنّ موسكو تبقى لاعباً رئيساً في السياسة الجورجية. تأثيرها في الأحداث الأخيرة يُسلِّط الضوء على عمق العلاقة بين روسيا والنظام الجورجي، التي يمكن وصفها بأنّها علاقة مركّبة، تتسمّ بالتوترات لكنّها محكومة بالحسابات الجيوسياسية.

 

من خلال الدعم الضمني للنظام الجورجي في مواجهته مع المعارضة، تسعى روسيا إلى ضمان استقرار جورجيا بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. بالتالي، يبقى تأثير روسيا في الاحتجاجات الأخيرة جزءاً من سياستها الإقليمية الهادفة إلى الحفاظ على نفوذها في القوقاز، ومنع تقارب جورجيا مع الغرب.

 

وعلى رغم من ذلك، قد تكون هذه الأحداث بمثابة مؤشر إلى أنّ جورجيا تتّجه نحو مرحلة جديدة من الصراع الداخلي، إذ سيظل الدعم الروسي حاضراً بشكل غير مباشر في أي تحوّل سياسي قد تشهده البلاد في المستقبل القريب.

الأكثر قراءة