كان في الأمر شيء من المفارقة أن تنتهي مواجهة مانشستر سيتي في موناكو بالفوضى، وليس لأنّ ذلك أعاد إلى الأذهان ذكريات انهياره في دوري أبطال أوروبا هناك على الريفييرا الفرنسية قبل 8 سنوات.
هدف التعادل لأصحاب الأرض في الدقيقة 90 بعد مراجعة ركلة جزاء عبر الـVAR، جيانلويجي دوناروما يقتنص الكرة قبل أن يركض مسرعاً نحو مقاعد فريقه، وبطاقة حمراء لأحد أفراد الطاقم الفني لموناكو، بعدما تورّط في الشجار الذي تلا ذلك. كل ذلك ناقض الراحة التي عاشها سيتي طوال أغلب فترات المباراة، وهنا يكمن التناقض.
الدراما وضعت إطاراً لمباراة كانت أكثر عروض سيتي هدوءاً وتحكّماً هذا الموسم. كانت هناك دلائل، في المباراة الثانية من دوري الأبطال، على أنّ مزيداً من قطع الأحجية بدأت تأخذ مكانها في فريق بيب غوارديولا المُعاد تشكيله، لكنّ هدف التعادل المتأخّر أكّد أنّه لم يصل بعد إلى المرحلة التي يستطيع فيها فرض أداء مهيمن طوال 90 دقيقة كاملة.
كان الشوط الأول الأكثر سلاسة في استحواذ سيتي على الكرة خلال الأسابيع الأولى من الموسم. تداول الكرة بسرعة، مُغيّراً زوايا الهجوم، مع إبقاء الضغط في الثلث الأخير. كان فيل فودن متحرّراً بشكل أربك موناكو، إذ عجز لنحو 15 دقيقة بعد الهدف الثاني عن إيقافه وهو يستلم الكرة ويدور نصف دورة أمام منطقة الجزاء. سدّد كرة ارتطمت بالعارضة، وأهدر إرلينغ هالاند فرصة متابعة في المرمى الخالي، فيما أنهى تيجاني رايندرس مراوغة أنيقة بتسديدة مرّت بجوار القائم.
هالاند، الذي سجّل هدفَين من 7 لمسات فقط في الشوط الأول، جعل قلوب المدافعين الثلاثة ترتجف من تحرّكاته خلف خطوطهم.
فودن استمتع كثيراً باستغلال المساحات التي خلّفها تمركزهم العميق، فكان يتسلّل إليها وينسج طريقه بين الفجَوات. كان هذا أكبر انخراط له في كل مراحل اللعب، وأكثر حيَوية، منذ أن ألهم سيتي للفوز بلقب الدوري الممتاز الرابع توالياً.
لكن بعد الاستراحة، لم يستطع سيتي الحفاظ على هذا الزخم. تباطأت وتيرة اللعب، وتقطّعت هيمنته بطلعات خاطفة لموناكو. حتى إن لم تُسفِر معظمها عن شيء، فقد أعادت تكرار نمط شوهد أمام وولفرهامبتون، برايتون، مانشستر يونايتد وأرسنال. تقدّم سيتي في كل هذه المباريات لكنّه فاز باثنتَين فقط، إذ تلاشت طاقته في الشوط الثاني، وتلقّى فرصاً خطيرة في الدقائق الأخيرة.
اللاعبون والفرق غير ثابتين، المباريات تشهد مدّاً وجزراً، والعاطفة تؤثر في الإيقاع. هذا أمر متوقع في لعبة ديناميكية ككرة القدم. الفارق أنّ هذه العوامل باتت الآن حاضرة في مباريات سيتي.
لطالما كان من طبيعة البشر أن يلعبوا وفقاً للنتيجة، لكنّ فريق غوارديولا، لسنوات طويلة، بمجرّد تقدّمه مبكراً، كان أشبه بملك الموت يُربِّت على كتفك: تعلم أنّ النهاية قادمة، وأنّه سيرفع الإيقاع أكثر فأكثر. هذا لم يَعُد يحدث، لأنّ سيتي لم يَعُد بالبريق عينه، وخيارات دكّته لم تَعُد متطابقة في الجودة كما كانت.
قبل المباراة، إعتبر غوارديولا أنّ عودة ريان آيت-نوري، عبد القادر خسانوف، ريان شرقي، وعمر مرموش من الإصابة، ستمنح الفريق العمق «النخبوي» المطلوب للمنافسة كل 3 أيام. من دون هؤلاء، قراره الدفع بالتشكيلة الأساسية الكاملة أمام موناكو المنقوصة أثار بعض التساؤلات حول مدى ثقته ببعض لاعبيه.
بدا رودري مرهقاً، فاستُبدل بنيكو غونزاليس (د61). ثم حلّ ماتيوس نونيز بدلاً من جون ستونز كظهير أيمن، ودخل سافينيو مكان جيريمي دوكو. لم يستخدم غوارديولا بقية البدلاء (ناثان آكي، ريكو لويس، أوسكار بوب وماتيو كوفاسيتش).
ما زال غوارديولا يجمع القطع، يُجرّب، ويبحث عن أفضل توليفة، لكنّ ملامح فريق تنافسي بدأت تتشكّل في الأسابيع الأخيرة، وكان هناك مزيد من الأدلة على وضوح الفكرة في موناكو.
بدا دوناروما لا يتزعزع ومنح الدفاع ثقة متجدّدة. خسانوف، قبل إصابته، بدا وكأنّه حجز مكانه كظهير أيمن. روبن دياش ويوشكو غفارديول يُشكّلان شراكة في قلب الدفاع. في الوسط، رودري عاد بعد غياب معظم الموسم الماضي للإصابة، حتى وإن كان لا يستطيع اللعب 3 مرّات في الأسبوع، بينما رايندرس يمنح الفريق الركض والانطلاقات التي افتقدها. في المقابل، يصل دوكو إلى مستويات جديدة على الجهة اليسرى، فيما تنمو علاقة فودن وهالاند لتقترب من ثنائي هجومي في بعض الأحيان.
الفريق يملك الجودة اللازمة لتقديم كرة رائعة، كما يظهر، لكن لا تزال هناك عناصر كثيرة متحرّكة تمنع الوصول إلى الثبات والذاكرة التلقائية المطلوبة لترجمة هذه اللحظات والتسلسلات إلى فترات طويلة وأداء كامل.
بعد اللقاء، أُعجِب غوارديولا بأشياء كثيرة في الأداء لدرجة أنّه لم يجد سوى نقطة واحدة لينتقدها: «اليوم كنّا قريبين. لعبنا بشكل جيّد جداً، باستثناء بعض اللحظات في التحوّلات. ما افتقدناه قليلاً هو حين لعبوا الكثير من الكرات الطويلة ولم نفز بالكرات خلف الخط، لذا كنّا أكثر انكشافاً قليلاً هناك. إنّه الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن نقوم به بشكل أفضل. أمّا البقية، مع الفرص والتحرّكات التي صنعناها، وحتى بالفرصة الأخيرة، فكلها كانت جيّدة جداً».
لكنّ استقبال هدف متأخّر آخر سيكون مؤلماً، خصوصاً أنّه جاء بعد 10 أيام فقط من هدف غابرييل مارتينيلي (د90+3) الذي خطف نقطة لأرسنال، ممّا يضع أيضاً ضغطاً غير مرغوب فيه على رحلته إلى فياريال لاحقاً.
وهناك ملاحظة إضافية، أنّ موناكو ليس فريقاً من النخبة. مستواه هذا الموسم لم يكن جيداً، غاب عنه 6 لاعبين مؤثرين بسبب الإصابة، ما تركه بلا خط وسط معرّف تقريباً، فيما لا يزال بول بوغبا خارج الحسابات بسبب برنامج لياقة خاص، بعد إيقاف دام 18 شهراً، ولن يحصل على الضوء الأخضر للعب حتى أواخر تشرين الأول.