وُجِّهت انتقادات حادّة لمهملات مشروع تنقيب عثمان حمدي بك عام 1887 من علماء الآثار. وهو يدافع عن نفسه في كتاباته آسفاً على حادث وقع خلال غيابه الموقت، ممّا أدّى إلى انسكاب سائل التحنيط الخاص بمومياء الملك تابنيت، الذي كان لا يزال رطباً - وهو شيء نادر جداً - ممّا تسبّب في خسارة كبيرة للعلم.
أمّا مومياء الملك تابنيت نفسها، التي تمّ الحفاظ عليها بعناية كبيرة داخل تابوتها المصنوع من البازلت، لمدة 2500 عام ، فكانت سليمة بشكل معجز عند اكتشافها في عام 1887، فقد عُرِضت في الهواء الطلق طوال ليلة كاملة على موقع الحفريات، ممّا أدّى إلى تدهورها وجفافها في بعض الأماكن.
واستمر هذا التدهور إلى درجة أنّها تبدو الآن أشبه بهيكل عظمي بائس، بعيداً جداً من الصور المنشورة بواسطة عثمان ح. بيك. وأسفاه! لكان الملك المسكين تابنيت تقلّب في قبره لَو أتيح له فرصة لذلك. وبالإنتظار، إنّه يواصل لعننا...
خطر وشيك
لكنّ هذه المجموعة الفريدة والنادرة من النواويس تتعرّض اليوم إلى الخطر، على رغم من الاحتياطات التي اتخذتها البلدية، ومن الجائز أن تذهب أدراج الرياح، إذ من المتوقع حدوث زلزال كبير عام 2030 في اسطنبول.
إنّ مثال «كنز كوريون» في قبرص واضح في هذا الصدد: علماً أنّه في الفترة عينها، كانت المدينة القديمة كوريون وغيرها، قد نُقِّب فيها بواسطة لويجي پالما دي سيسنولا بصفته القنصل الأميركي لتكوين ما سمّاه في البداية «المتحف الفينيقي»، وما يُطلق عليه الآن اسم «مجموعة سيسنولا».
وقد شُحِنت الغالبية منها إلى الولايات المتحدة الأميركية، وشكّلت الجزء الأكبر من المعرض الأول لـ»متحف المتروبوليتان للفنون» في نيويورك. ولا تزال بعض القطع معروضة هناك، التي تبدو بوضوح فينيقية، وهي غالباً ما تُعرَض كتحف يونانية من قبرص... وهناك الآف الاكتشافات الأخرى التي بيعت إلى جامعة ستانفورد، وقد دُمِّرت كلياً خلال زلزال كاليفورنيا في العام 1906. يا له من هدر! هل سيُسمَح لـ «كنز صيدا» أن يتعرّض إلى المصير عينه؟ أليس من المفترض أن يُنبِّهنا هذا الحدث السابق؟
استعادة مستحيلة
وفقاً لقانون اليونسكو في عام 1970، تمّت المطالبة بإعادة كنوز صيدا من قِبل وزارة الثقافة اللبنانية (لوريان لوجور 2015). كما تمّت محاولة تقديم استئناف قضائي، لكن من دون جدوى.
ونطالع إحدى حجج الدفاع التركية (الأخبار 2023) هي أنّ صيدا كانت في وقت الحفريات ولاية عثمانية، لذا فإنّ كل ما وُجِد هناك يعود إلى الإمبراطورية العثمانية. لكنّ الإمبراطورية لم تَعُد موجودة، وحدود تركيا الحالية لا تشمل لبنان.
علاوةً على ذلك، فإنّ هذه الآثار تسبق بمئات السنين بداية الإمبراطورية نفسها. لذلك، لا تعود هذه التحف الأثرية بأي شكل من الأشكال إلى العثمانيِّين. بل إنّها تشهد على عراقة صيدا، التي كانت مهارتها مَوصوفة من قِبل هوميروس الشاعر الإغريقي القديم.
اقتراح حل بديل: نسخة الليزر المطابقة
تُتيح التقنيات الجديدة التي تسمح بالتقاط صور بالليزر وكذلك الطباعة ثلاثية الأبعاد من مواد مختلفة (مثل الراتنج والجص أو الرخام) آفاقاً جديدة.
لذا وجب علينا، قبل عام 2030، الحصول على نُسَخ لجميع القطع الأثرية اللبنانية المعروضة حالياً في إسطنبول، لتجنّب تدهورها في حالة وقوع هزة أرضية هناك.
وتتمتع نسخة الليزر أيضاً بمزايا أخرى؛ إذ تتيح إمكانية الطباعة في موقع المعرض نفسه ممّا يُلغي المخاطر المرتبطة بنقل القطع الأصلية، كما أنّها تمنح الحرية في إضافة الألوان، وهذا ما لا يمكننا فعله على المنحوتات الأصلية.
إنّه عرض تسوية، للتفاوض في ما بين الأطراف يسمح بإعادة جزء من النسخ الأصلية والباقي على شكل نسخ. هذا الحل الذي يمكن تعميمه على جميع المتاحف، له ميزة كبرى وهي عدم تفريغها من الأثريات لديها، بينما يسمح بإعادة ممتلكاتها إلى البلدان التي انُتزِعت ذاكرتها على يد المستعمرين. ولها أيضاً ميزة عدم إرباك المشاهد الفنية التي خُصِّصت لها في هذه المتاحف المرموقة، وكذلك عدم انتزاع المجموعات غير القابلة للفصل، بقدر ما يمكنها أيضاً استبدال الأعمال المستعادة بنسخة موثوقة ملوّنة، كما كانت في الأصل.
لنتخيّل ناووس عبدالونيم مزيّناً بالألوان الزاهية ومزخرفاً بالتفاصيل البرونزية، يزهو في وسط هذه المجموعة الرائعة. فهل يتحقّق هذا الحلم؟
أمّا مومياء تابنيت، فالملك يتوق إلى مسقط رأسه، لكنّ ذلك لا يزال يعتمد على إرادة السلطات التركية. الحذر من غضب الملك، لأنّه ما زال يتزايد، وهو بعيد عن قول كلمته الأخيرة. قد تكون عودة نواويس الملوك إلى صيدون فألاً حسناً لاستعادة السلام والإزدهار في المنطقة. قد يحدث ذلك، مَن يدري؟