في اللامتصلِ من الأشياء، تدورُ حلبةُ الصراع التماوجيّة في رواية «كائن لا تحتمل خفّته» لميلان كونديرا، حيثُ ينسجُ الخفّةَ ارتداداً للمشاعرِ الحرّة الطليقة والثقل مضادّاً لكلّ ما يقيّدُ معصمها بأغلال التعنّت أو الرفض. فيخلقُ حاجباً أبديّاً بين ما نريد وما لا نريد، وبين المستطاعِ والمستحيل.
وعلى طريقة الفيلسوف كارل ياسبرس، تحطّ القصّةُ رحالها على مرسى الدهشة والحاجة الملحّة للتواصل والسعي لتبيانِ ما غمضَ من الأمور.
فيبدأ السرد خلال الاحتلال السوفياتي لبراغ، في شخصيّة توماس الطبيب الناجح المطلّق منذ فترة، والأب الذي يكادُ لا يعترفُ بأبوّته وينبذ المسؤوليّة الملقاة على عاتقه، والذي يهوى الخفّة في حياته لدرجة أنّه يعاشرُ أكثر من امرأتين في اليوم الواحد، وينطلقُ غيُّهُ في تواصل، غير مكترثٍ سوى بتلبية احتياجاتِه الجسديّة.
لكنّ حدثاً يبدو بسيطاً في الظاهر يغيّرُ له بواطن الأمور الجوهريّة في حياته، إذ يلتقي بنادلة تدعى تيريزا وهو يحتسي كأساً في حانة، ويقع في غرامها بعد أن يدعوها إلى شقّته ويمارسُ معها الجنس، ولكنّها تقع أسيرة الحمّى فيضطرُّ أن يتركها عنده لبضعة أيّامٍ يشاطرها فيها السرير نفسه، وهو الذي يتخفّف من جميع الأحمال ولم يسبق له أن دعا أيّ امرأة للمبيت في شقّته، بل يتخلّصُ منها في العادة فور اقتناص غريزته. وعندما تعودُ إلى قريتها، يتمنّى بأن تعود، مسترجعاً تفاصيلَ صغيرة زعزعت كيانه، عندما تحتضنُ بيدها يده وهي نائمة وكأنّها تجدُ في كفّه سفينةَ الخلاص، وعندما تقطّبُ حاجبيها وهي تضطجعُ في نافورة أحلامها المتّصلة. تعودُ إليه عندما تقرّرُ البحث عن عملٍ في مدينته، فينتهي بها الأمرُ إلى الإقامة عنده، وكأنّ منظور الخفّة لديه انهارَ أمام هراوة الحبّ الصلبة.
لم يستطع توماس أن يتخلّص من آفّة الخيانة، فكان يستمرُّ في معاشرة النساء وخاصّة مع صديقته الرسّامة سابينا الثائرة بدورها على كلّ القيود الاجتماعيّة، ولكنّه لا يريدُ أن يتحرّر من ربقة الحبّ الذي يشدّه إلى تيريزا بوثاقٍ شديد الإحكام، فينتهي به هذا الاحساسُ بأن يتزوّجها وينتقلَ معها ومع كلبتهما كارينين بعد البطش السوفياتي الثقيل إلى زيوريخ ليمارسَ مهنته هناك، مستمرّاً في مغامراته النسائيّة، معلّلاً لنفسه بأنَّ "الحب والجنس عالمان مختلفان"، ولكنّه يلحقُ بتيريزا عائداً إلى موطنه بعد أن تتركه لشعورها البغيض بألم الغربة والخيانة.
يُفصلُ توماس من عمله بعد أن ينشرَ مقالاً يهاجمُ فيه التطرّف السياسي، وإذلال الزعماء الذين يميلون مع كلّ ريح ويعيشون الحياةَ بشكلٍ حلزوني، دون الاندماج بهستيريا الشعب، فيجدُ نفسه في جدلٍ غير فعّالٍ ومرن، ويتركُ مهنةَ الطب ليعملَ في تنظيف زجاج واجهات المحلّات ويستمر في مواعدة النساء من شتّى الطبقات، وكذلك تعودُ تيريزا إلى عملها كنادلة، حيثُ تقومُ بخيانته مع رجل عابر، يستقطبُها بحبّ المغامرة والمخاطرة التي لم تجرّبها سابقاً، ولكنّها تغرقُ في الندم.
تقرّرُ تيريزا اقناعَ توماس بأن ينتقلا للعيش في الريف، بعد أن ازدادت خياناته المتكرّرة لها، وخوفاً من استمرارها في مبادلته الخيانة عينها، وابتعاداً عن السياسة المجحفة التي يصفها كونديرا بقوله: "الأنظمة المجرمة لم ينشئها أناس مجرمون وإنّما أناس متحمسون ومقتنعون بأنّهم وجدوا الطريق الوحيد الذى يؤدي إلى الجنة". ولكنّهما يخسران كلبتهما هناك ويموتان في حادث سيّارةٍ دون أن يتركا أثراً لمسيرة حياتهما القصيرة.
أمّا سابينا فتقعُ في حبّ فرانز، وهو أستاذٌ محاضرٌ في جنيف ويهجرُ لأجلها زوجته وابنته، ولكنّها تشعرُ بالثقل النفسي عندما يقتربُ من تحديد علاقته بها في إطار الزواج فتهجره، فيحاولُ أن يشاركَ في تظاهراتٍ ومسيراتٍ في سبيل محو ملامحها التي تطارده في كلّ مكان، ويُقتلُ في بانكوك على إثر عمليّةِ سطو.
لم يقصد كونديرا أن يسردَ علينا قصّة بسيطةً عن الحبّ والخيانة والسياسة، بل ما سعى إليه أن يبثّ أفكاراً فلسفيّةً، ويستقطبَ المواضيعَ التي تبلبلُ كيان الانسان، ويربطها بفكرة الحريّة والعبوديّة، فما يحكمُنا هو الثقلُ والخفّة، ونحتاجُ إلى فلسفةٍ تقدّمُ لنا بياناً عن تحرّكاتنا الديالكتيكيّة، والتي تحرّكها السياسةُ المحنّكة الحاكمة في الدول الكبرى، واندماج الجماعة بشكلٍ يجعلهم عاجزين عن تحديد خطّهم الخاص، ممّا يؤدّي إلى اضعاف النضال الوطني في أرواحهم، فبين النظرية والتطبيق خطٌّ منفصلُ يشبهُ المسافة بين الخفّةِ والثقل، ممّا يشكّل نظام المترابطات المتنافرة، فتنتجُ طبقةً سطحيّةً تقفُ بين الهوّة والقمّة، في ميزان القوى المتصارعة، وستنشأ الإمبريالية المرتزقة، التي تتوجّه إلى جهةٍ تترنّح بين المعارضات والموافقات من دون توازنٍ يُذكر. وهذا ما طرحه كونديرا في قصّةٍ انسانيّةٍ خيّمت عليها بثورُ الحرب الشرسة، دون تحديداتٍ جوهريّة للماهيات القائمة، مبنيةً على تذبذب البروليتاريا، وعلى أنظمةٍ متيبّسة لم يدركها الانفتاح، ممّا يدقّ عنقَ السلام ويفتحُ الأمورَ على مصراعيها للصراعات الوجوديّةِ القائمة في كلّ عصرٍ وزمان، في صيرورةٍ استلابيةٍ تجنحُ لغاياتٍ متطرّفةٍ واحتكاكاتٍ ايديولوجيّة وسياسيّة خطيرة قد تهدمُ الغائيّة التي تحكمُ العلاقات الانسانيّة. وهكذا، تطرحُ الرواية جدلية هامّة جعلت منها نموذجاً للمفاوضات السوسيولوجيّة الحاليّة.