"داهش" أو سليم موسى العشي ساحرٌ صحا من ضجعة الموت
نسرين بلوط
Saturday, 10-Jun-2023 06:26

قد يصنّفُ الكاتبُ أدبه على أنّه نوعٌ من السحر الفولاذي الذي يطبقُ بفكّيه على عنق الوجود حيث لا ملاذ ولا مناص للهروب منه إلّا بالحياة أو الموت، وقد تكون إخفاقاته على قدر ابداعاته، وانجازاته في كفّ توجّهاته، وهكّذا يسطّر تاريخه كما ترسمه بصيرته، ويصبّ الرعب في قلوب من حوله لأنّهم توانوا عن اللحاق بركبه في صبيحة القيظ ومرارة المساء.

 

وهكذا، عاش سليم موسى العشي مؤسّس الحركة الداهشيّة وراء حجبٍ ضبابيّة تراءت للغير بأنّها رجمٌ من عالمٍ شيطانيّ يغلّف احتقان النفس التوّاقة لقبسٍ من الارتواء النفسي لمراسي النور ومآسي الدهور.

 

تقلّبت الحركة الداهشيّة بين دعوةٍ صافيةٍ للروحانيّة والتصوّف، وكان لداهش الفضل الأكبر في تقديمها كحركةٍ تضمّ مثقّفين ومبدعين وتتدخّل في السياسة بطريقةٍ تملّقيّة، ممّا حدا بالرئيس بشارة الخوري أن يسحب منه الجنسيّة اللبنانيّة ويحدّ من نشاطه وتهوّره، والتي استردّها في ما بعد.

 

وقد شبّهه الكثيرون براسبورتين الذي شنّ حرباً روحيّة على الامبراطوريّة الروسيّة ليصبحَ أحد أهم رجالها المقدّسين ويوقع العديد من النساء في عشقه وينثر صبابةً مازوشيّة في محيطه يمتدّ نفوذه إلى بلاط القيصر ويعارض الحرب ويحشر أنفه في ما لا يعنيه حتّى تمّ اغتياله في نهاية المطاف. ولكنّ داهش كان أكثر منه حكمة وصبراً، فقد آثر الاستقرار في نيويورك حيث أسّس داراً للنشر باسمه باللغتين الانكليزيّة والعربيّة، وترك متحفاً كبيراً يضمّ تحفه ورسوماته وأعماله الفنيّة، وكأنّه يؤمن بأنّه سيخلّد مع الخالدين، متنكّراً لصفة انسانٍ عادي، مدّعياً قدراتٍ خارقةٍ وتاركاً الأساطيرَ تنسجُ حوله هالاتٍ غريبة لا وجود لها، كأن يذيع البعض بأنّه ترك ذات يومٍ رأسه عند الحلّاق بعد أن كان المكان يغصّ بالزبائن وذهب بجسده فقط إلى منزله على أن يعود لاحقاً لاسترجاع رأسه بعد أن ينجز الحلّاق حلاقته.

 

وكذلك قيل بأنّ جمعية المباحث العلميّة الفرنسيّة قامت بتجربةٍ فريدةٍ من نوعها بطلبٍ منه بأن وضعته في صندوقٍ حديدي ودفنته في قعر نهر السين لمدّة 7 أيّام تحت المراقبة المستمرّة، وبعد أن انتشلوه من النهر وفتحوا الصندوق وجدوا بأنّه ما زال حيّاً يبتسم.

 

تلك الأعاجيب التي تندرج تحت خانة الأوهام حازت بسطوتها على عقول وقلوب العديد من متابعيه، حتّى وصل الأمر بالأديبة ماري شيحا وهي من مناصري الحركة الداهشيّة بأن تقوم بمحاولةٍ لاغتيال صهرها الرئيس بشارة الخوري انتقاماً منه لمقته لداهش، وبعد فشلها في القيام بتلك الخطوة الآثمة تمّ ارسالها إلى دير الصليب، وقد وضعت حدّاً لحياتها بالانتحار، هرباً أو ربّما ندماً على ما آل إليه حالها.

 

في "رواية بيروت" يذكر الروائي إسكندر نجار عن لسان أحد أبطال الرواية الذي كان يعمل صحفيّاً، لقاءه بداهش حيث يقول: "سمعنا صدى خطوات، رأسٌ مستدير، جبينٌ عرّضه الصلع، رقبةٌ ضخمة. شاربان رفيعان يعلوان شفتيه الغليظتين، وحاجبان كثّان يظلّلان عينيه السوداوين. ارتعدت. مظهرُ مضيفي مختلفٌ عمّا تصورت. توقّعتُ رؤية عجوزٍ بلحيةٍ متموّجة على غرار مرلان الساحر. لكن ها أنا أمام رجلٍ سمين شبيه بجزّار شارع غورو".

 

داهش أو سليم موسى العشّي، ساحرٌ للعقول التي تبحث عن الخيالات الواهية والحقائق المتماوجة بظلال الزيف، والموائد التي تغصّ بندمان الوهم، ولعلّه أراد من خلال أدبه أن يسيطر على مجامع الخيال ويحلّق في روحانيّة صلبة ساعده عليها قوّة حدسه، فخدع الكثيرين دون إرادته، وبدل أن يمارس سحره الأدبي وجد نفسه في دوّامةٍ مقلقة من الفراغ الموحش، حيث تفشّى سحره الشيطاني حسب وصف كارهيه أو الروحانيّ وحسب قناعات مريديه، وقد وهن منه الصبر فتركهم يعتقدون ما يعتقدون، ويسعى إلى حلمه في متحفٍ كبير يضمّ حلمه الأدبي الضائع بين صراطٍ سويّ من الضوء ونارٍ مشتعلةٍ من السحر الأسود، فحبس أنفاسه في عمق البحار وتفجّر سخطه بخاراً يتلوّن بحمرة الغسق الذي يعبق بالحنق، وترك الناس تفنّده وتحلّله حسب هواها، ولكنّه تمسّك بنفسه وتعجّب لتدهور سمعته فهاجر إلى بلادٍ اغترابيّة ينثر فيها براعم أمانيه التي ما زالت حتّى اليوم حبيسة الموت وربيبة اليأس الأزلي، ولم يعلم في أعماقه إن كان ساحراً صحا من ضجعة الموت أو شاعراً رقد في صحوة الحياة. ولم يستطع أحدٌ أن ينكرَ بأنّ سليم العشّي قد مرّ من هنا، وترك بصمةً ما في مكانٍ ما.

 

الأكثر قراءة