الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 21 أيار 2019
انطون تشيكوف.. ملك الحداثة 
print
favorite
يقدّم لنا الكاتب الأكثر تصويباً للمغزى في فنّ القصص القصيرة انطون تشيكوف، مجموعة قصصٍ هادفة، تتربّع على ضفاف حبكةٍ مطرّزةٍ بشريان الحدث الفعلي، الذي يتجاوز الزمان والمكان الوقتي، لآمادٍ تتّسع لكلّ الأزمنة والأمكنة، وتستوعب التجويف الداخلي للإنسان، وهذا هو الفن الحقيقي لتسطير الإنسانية فوق هيكل المحسوسات، والإنتقال بها إلى كنف التساؤلات التي تطال كلّ زاوية في النفوس والأمكنة.

في قصصٍ تتجاوز الأربعين، ينتقل القارئ مع تشيكوف إلى البيئة السائدة في زمنه، من دون تذمّرٍ لهذا السفر المباغت الجامح، الذي يأخذه إليه دون أن يخدش خياله، بل بالعكس، يحيي لديه تلك النزعة الإنتقالية بتوقّد الحماسة، فيتفهّم وجهة نظره في قصته «دموع لا يراها العالم»، عندما يأخذ المقدم ريبروتيوسوف أصدقاءه لتناول طعام العشاء في منزله، مختالاً بكرم زوجته، فيتعارك معها في غرفة النوم وهو يوقظها لتحضير الطعام، وتقوم بضربه وتعنيفه، ولكنها تمثل دور القدّيسة أمام رفاقه وترحّب بهم ترحيباً حارّاً، يدفعهم لأن يتمنّوا لو أنّ لنسائهم مثل ذوقها ورقّتها، ولكنهم لم يفقهوا شيئاً ممّا دار من العراك والشتائم بينها وبين زوجها وما خفي لهم.

القناع
ثم ينتقل بنا شيكوف إلى قصة «القناع»، حيث يجلس جمعٌ من المثقفين في المكتبة، يطالعون ويتناقشون همساً في مسائل فكرية هامة، وإذا برجلٍ يرتسم في ملامح صوته طابع الهزل، يرتدي قناعاً، يدخل عليهم ليهزأ بهم ويفتعل الضجيج الصارخ. فتسود الدهشة أركان المكان ويعمي الغضب القلوب، وينادي المثقفون الشرطي ليطرد الرجل المقنّع، ولكنه ينزع القناع بغتة عن وجهه، ليتبيّنوا بأنّه المليونير بيتيجوروف، فإذا بهم ينحنون له صاغرين، بل يقومون بإرضائه واسترحامه على معارضتهم لعبثه ولهوه التافه، ويصرفهم من المكتبة لاهياً ضاحكاً، وفي نهاية حفلته المهرّجة يقوم أحد المثقفين الذين عانوا من تهكّمه وإزدرائه باصطحابه لمنزله والإطمئنان عليه لأنّه عبّ من الخمر كثيراً، مطمئناً رفاقه بأنّه يأمل كثيراً بأنّ المليونير قد صفح عنهم ولم يكترث عمّا بدر منهم من تطفّل، وهنا النقد الإجتماعي اللاذع الذي يوجّهه تشيكوف للتوجّس الخفي الذي يقبع في قرارة نفس الشعب تجاه طبقة الأغنياء، فهم الذين يمدّونهم بالقوة بسبب ضعفهم وخوفهم من نفوذهم، وهم مَن يصنعون هالة الوهم وينصبونها تاجاً فوق رؤوسهم الفارغة.

المتمارضون
في قصة «المتمارضون»، يعرض تشيكوف قصة زوجة جنرالٍ ميسور، تمارس العلاج الهميوباتي، ويأتي كلّ فلاحي القرية إليها مدّعين الشفاء على يديها، فتمتلئ نفسها الوديعة بالسرور والراحة، ليُملوا عليها طلباتهم الكثيرة، فمنهم من يريد شراء بقرة، ومنهم من يطلب الخشب أو قطعة أرض يزرع فيها، وتستجيب لهم بكلّ دعة وامتنان. وتكتشف كذبهم بالصدفة عندما تقع ورقة العلاج التي وصفتها من جيب رجلٍ إقطاعي مفلس يتعالج عندها، ويدّعي أمامها بأنّه شفي بمعجزةٍ على يديها بسبب الدواء الذي أعطته له، حيث تأكّدت بأنه لم يشترِه من الأساس، وأنّ ادّعاءاته لا أساس لها من الصحة. وتنتهي القصة بجملةٍ تختصر معاناة الحياة: «ما أخبث الإنسان».

مع سبق الإصرار
في قصة «مع سبق الإصرار»، يصوّر لنا تشيكوف مشهد فلّاحٍ ماثلٍ أمام المحقق يتّهمه بسرقة صامولة من الصواميل التي تثبت بها القضبان لقطار سكة الحديد، فيقرّ الفلاح بذنبه بطلاقة وثقة، مبرِّراً فعلته بأنّه يصنع منها ثقالات السنانير. وعندما واجهه المحقّق بحجم فعلته وبأنّه كاد بأن يتسبّب بكارثة بشرية لأنّ ما أقدم عليه كان خطيراً ويعرّض أرواح الناس للخطر، إذ إنّه قد يُحدث خللاً جسيماً في سير القطار ويؤدي إلى انحرافه، دهش الفلاح لأنه ورفاقه يفعلون هذا الأمر منذ زمنٍ بعيد. ثم يستأذن من المحقّق بالإنصراف لشؤونه فيجيبه الأخير بأنّ سجنه سيكون طويلاً، وستوجَّه إليه تهمة التخريب وتعريض وسيلة النقل العامة للخطر، فيدهش الفلاح، ويستعصي عليه من شدّة بساطته أن يستوعب الأمر، ويظنّ بأنّ أحد مكيديه يريد الإيقاع به، وهنا نذكر بيت شعرٍ لجبران قال فيه: «فسارقُ الزهرِ مذمومٌ ومحتقرٌ- وسارقُ الحقل يدعى الباسلُ الخطر».

تتنقل كالفراشة
القصص تتنقل كالفراشة تحت ضوء واقع الحياة، من الفتاة العازبة التي تحلم بالزواج ولكنّ القطار يفوتها وتشيخ وتموت قبل أمها، والرجل الساذج الذي تخونه زوجته ويذكر تاريخ ميلاد كلٍّ من أولاده بحسب الرجال الذين وفدوا إليه لإقامة الحفلات أو للتدريس واستغلّوا طيبته، وخانوه معها، فأتى كلُّ واحدٍ من أولاده ثماراً محرّمة من كلّ رجلٍ صادق زوجته، ثم يتكلم في قصة أخرى عن عازف الموسيقى الأجير الذي يصادف في قاعة احتفالٍ ذهب ليعزف فيها فتاة جميلة، تقف للحديث معه معجبة بعزفه، ولكنّه يسمع الناس يتهامسون عليهما متضاحكين، ثم يرى بأنّ الفتاة نفسها قد فرّت من أمامه لا تلوي على شيء وقد استبدّ بها الغضب وتولّاها الخجل، ليعلم لاحقاً بأنّها شعرت بالفضيحة تجلجل في أنحاء كيانها بسبب وقوفها مع محض عازفٍ أجير بعد أن ظنّت بأنّه رجل من الأشراف.

يدهش القارئ
تشيكوف يدهش القارئ كعادته بانتزاع لثام الجمود من فكره، ليعمل على تنسيقه وتصويبه للمعنى الراقد بين طيّات السطور، وكما قال عنه مكسيم جوركي: «لقد أحبّ تشيكوف كل ما هو بسيط وحقيقى وصادق.. وكانت له طريقة فريدة في تبيسط الناس».

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.