الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 21 أيار 2019
الرواية والوعي الجديد
print
favorite
حاول عددٌ من مُنظّري المناهج النقدية الفصل بين النص الأدبي وبيئته، وهيمنت على أثر ذلك جملةٌ من العبارات والصيغ على الحقل الأدبي، وهذا ما أدّى إلى تكريس مفهوم عزل المنجز الفني أو الأدبي عن الخلفيات الفكرية والأيدولوجية لصاحبه، وغياب الأثر على المستوى الواقعي، والمطلوب وفقاً لتلك النظريات هو دراسة النص بوصفه وحدة مُستقلةً عن المؤثرات الخارجية.

ما لبثت أن تلاشت هذه الأصوات المُطالبة بتفريغ النص الأدبي من القيَم الأخلاقية والمضامين الفكرية، والإهتمام بدلاً من ذلك بتركيبتهِ ومستواه الشكلي لأنَّ النسق الأُحادي يعني التعالي على الواقع ومُفارقته، وهذا ما لا يخدم المُتابعة النقدية الهادفة إلى الكشف عن العلاقة القائمة بين النص والمُتلقّي، وتفاعل الأخير مع العالم المُتخيَّل في الأدب خصوصاً في الجنس الروائي. أكثر من ذلك فإذا سلّمنا بإنضمام الكاتب الروائي ضمن فئة المثقّفين، مثلما يؤكدُ صحة هذا الرأي الدكتور لطيف زيتوني في كتابه المعنون «الرواية والقيم»، فعلينا الإقتناع بوجود دورٍ للنص الروائي على المستوى الأخلاقي والإجتماعي والسياسي، وبالتالي لا يصحُّ القول بأنَّ هذه المادة الأدبية تحيلُ إلى عالمها فقط. صحيح قد لا يكتبُ المؤلفُ بإيحاء فكرة مُسبقة، ولايريدُ أن يكونَ عملهُ تعبوياً أو دعائياً ومُتماهياً مع أيدولوجيا مُعينة، لكن هل معنى ذلك أنَّ المبدع يتّصفُ بالحيادية ويمضى أيامه مُنفصلاً عن الواقع؟ 

البعد الإستشرافي
من المعلوم بأنَّ هؤلاء الأدباء، لا سيما الروائيين، يملكون وعياً حاداً ويستشرفون المستقبل بناءً على عمق رؤيتهم ومشاهداتهم اليومية لحركة الحياة، لذا كثيراً ما يشيرُ المُتابعون في حيثيات حديثهم عن التطوّرات الراهنة إلى تمكّن هذا الأديب أو ذاك في إستباق الحدث.

وقال الروائي المصري جمال الغيطاني غير مرة في حواراته، أنّ رجال الدولة لو قرأوا رواية «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ كان بإمكانهم تفادي ما سمّي بنكسة حزيران. إذن، فإنّ الروايات التي تنضوي تحت عنوان «الخيال السياسي» قد سبقَ مؤلفوها الوقائع والثورات. وفي هذا السياق، يذكر عبد الرحمن منيف بأنَّ تشرنيشيفسكي قد رصدَ الوضع في بلده روسيا من خلال روايته «ما العمل»، قبل أن يستعيرَ لينين العنوان نفسه لكتابه الذي أصبح دليلاً للثورة. هذا ناهيك عن روايات الخيال العلمي التي أضافت مفرداتٍ جديدة إلى الحقل العلمي، وأتاحت فرصةً للخروج نحو أفق أرحب في مجال البحث وطرح فرضيات بشأن الكون والحياة. مؤدّى هذا الكلام أنَّ الرواية أداة معرفية على حدّ تعبير صاحب «شرق المتوسط»، ولها دفترُ شروطها الخاصة. وما تذكرهُ الكاتبة والروائية لطفية الدليمي في مقالها عن الخيال العلمي بأنَّ روايةً صدرتْ عام 1944 وصفت بالتفصيل تطوير واستخدام السلاح الذرّي، ما أثار قلق مكتب المباحث الفدرالية الأميركية من تسرّب المعلومات حول الترسانة النووية. ويسوغُ مُعالجة النصوص الروائية بإعتبارها أداةً لإنتاج الوعي بالمُعطيات الوجودية. ولاينكرُ دعاةُ الرواية الجديدة في مقدمتهم جان ريكاردو هذا البعد في العمل الروائي، إذ يعتبر أنَّ قراءة الروايات التي لا تحيل المُتلقي إلّا إلى نفسها، هي تمرين على نقد الأيدولوجيا. من هنا، فإنَّ الرواية تلعب دوراً سياسياً وإن بصورة مواربةٍ، وهذه النتيجة تقودنا إلى السؤال حول طبيعة العلاقة بين الروائي كونه صاحب رسالةٍ أدبية مُتشابكة مع السياسة وأصحاب السلطة.

حوار الأفكار
تتميّز الرواية بإنفتاحها على أفكار وآراء مُختلفة تُمَثِلها الشخصياتُ العائمة على مسرح النص، فبالتالي يكون فنّ الرواية مُتّسماً بالتعددية في الأصوات، تتصارعُ في فضائهِ القيَم وهذا ما يضعُ الرواية على خطٍ متقاطع مع الفلسفة. ويمضي البعض أبعد من ذلك عندما يجدون في الخطاب الروائي مُنافساً للفلسفة.

نظراً لتفاعل القارئ مع شخصيات الرواية وما تُعانيه من أزمات أخلاقية، وبحثه عن الأسئلة المضمرة في النص. وكما يقولُ مؤلف مُعجم «مُصطلحات نقد الرواية»، فإنّ العمل الروائي ليس جزءاً مُقتطعاً من الحياة بل إنه تفسير وإعادة كتابةٍ للحياة. ويفضّل لطيف زيتوني في إطار حديثه عن خصائص فن الرواية إقتباس مقولة ميلان كونديرا، إذ يسمي الأخير الروايةَ بـ»حقل الممكنات البشرية». وربما ينشأُ النزاعُ بين الروائي والحاكم المستبدّ نتيجة هذا الإختلاف في الرؤية والهدف. وفيما يحاول الأول إختزال العالم إلى ما يمثّلهُ من تقنيات السيطرة ومشروع الهيمنة، فإنَّ الثاني يسحبُ الستار الذي يحجبُ لا محدودية الخيارات والإحتمالات. وبدوره يعزوُ الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا التوتر القائم بين الحكام والروائيين إلى تباين عميق فيما يقدّمه الإثنان قائلاً: «وكم هي مفتنة الروايات حين يقارن القارئ الحرية التي تتيحها وتنشرها، مقارنة بالظلامية والخوف اللذين يتربّصان به في العالم الواقعي». ومن الواضح أنّ الرواية تتصدر غالباً لائحة الكتب المحظورة، وذلك لأسلوبها المُشاكس الذي يثير غضب الإكليروس ورجال السياسة في آن واحد، وما يزيدُ سخط هؤلاء أكثر أنّ العمل الروائي يفضحُ عقليتهم المُعطبة التي يتصاعدُ في ظلّها الفسادُ وتتحلّل القيم والمبادئ. ولولا الروائيون لظل الوعي بما تشهدهُ أقبية السجون والمعتقلات من حفلات التعذيب والتنكيل غائباً. كما أنّ النص الروائي يصنعُ وعياً مغايراً لدى الفرد، ما يعني أنّ فعالية الأدب لا يمكن تجاهلها، ومن هنا يحقُّ التساؤل عن الوعي الذي راح يتبلور بفعل تضخم الإهتمام بالأدب الروائي، هل يرافق هذا الحراك الروائي نشوء وعي جديد لدى قُرّائهِ ومُتابعيه؟ وما يفرضُ هذا السؤال هو إقرار مُعظمِ الكُتاب بأنَّ عملية التغيير والتحوّل يتحملُها القراءُ.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.