الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الخميس 16 أيار 2019
فريدريك نيتشه.. إرادة القوّة فوق الأديان
print
favorite
لم يكن فكر فريدريك نيتشه حافلاً بالكثير من التجليّات الإنسانية، والإنصباب الوجداني التلقائي للمسبّبات، بقدر ما كان محدّقاً بجام اهتمامه على القوة التي بنظره تشبه الرمح الصائب الذي يقهر الأديان، ويقلّل من شأن المبادئ والقيَم التي تسند هيكل المجتمعات البشرية، وتعزّز نشاطه وتنظّم سلوك أفراده.

وقد أشاد نيتشه كثيراً في مواضيعه البيروقراطية بالقوة الكلية المرتكزة على دعائم المجد، سواء كانت في الاقتصاد أو السياسة أو الحرب، فإذا به يرسمُ خطة فلسفية لإحياء القيم المبتورة في رحاب النفس، وذلك بفلسفته القائمة على «إعادة وتكرار تقييم القيم»، أي منح الفرد فرضية وأحقّية التحرّر من كلّ ما هو مفروض عليه في مجتمعه، وإعطاء نماذج جديدة لقيمٍ أخرى يراها هو من وجهة نظره الخاصة، فيفرض مبدأ القوة والتحدي، ليكون خارقاً في تسيير أهوائه ضمن حريّةٍ شخصية يختارها، فلا يهاب الإنجراف في خطّ يختاره حتى وإن حاد عن جادة الصواب.

الإجهاز بالقوّة
في كتابه «إرادة القوة»، يتصارع نيتشه مع التقييم البيئي لسلوك الإنسان، فيشدّد على ضرورة الإجهاز بالقوّة على مكامن الضعف في البشر، منتقداً الليبرالية والاشتراكية والشيوعية. هو يؤمن قطعاً بأنّ لا شيء ينظّم سلوك الفرد إلا الحرية المطلقة، ومن هنا جاء انتقاده التام على جهل أفكار رجال الدين المتعجرفة حسب وجهة نظره، وقد ظنّ أنّهم تلفّعوا بدثار ثوب التقوى فقط، للترفيه عن أنفسهم بحجج الضمير والأخلاق، فأوهنوا أنفسهم وأضعفوا إرادتهم، وقادوا رعيّتهم في غياهب الظلمة.
الغريزة في رأي نيتشه هي المحرّك الأساسي للبشرية، والثقافة لا مكان لها إلّا في قوة الاستمرار فقط. فالثقافة قد تتلاشى وتغيب إن تدهورت الحرية والعكس صحيح. ثم ينتهي إلى تقسيم الأخلاق إلى نوعين: «أخلاق السيد»، و«أخلاق العبيد».

الضعف التبعي
وممّا يعجب له، أنّ نيتشه قد نسب أخلاق السيد إلى طبقة الأسياد الأغنياء، وأخلاق العبيد إلى عامة الشعب الفقراء، وقد بلغ الشخص الميسور في رأيه حدّاً ينزّهه عن الضعف والاستكانة بسبب تحرّره من مكامن الضعف التبعي، بعكس الفقير الذي يمدّ كفّه بذلٍّ وضِعةٍ واستماتة من أجل إثبات ضعفه الكبير.
ينتقد نيتشه الدين المسيحي الذي يثني على ضعف الفقراء البؤساء، ويعدهم بحياةٍ أفضل بعد الموت جزاءً لهم على كلّ هذا الوهن الرهيب الذي تعرّضوا له، على شرط أن يقيّدوا حريّتهم ويكونوا منزّهين عن ارتكاب الآثام والخطايا، ويلجموا غرائزهم وشهواتهم الدنيوية، وبهذا يعيشون برأيه في علّة أليمة لا حصر لها. «أن أحيا كما أريد أو لا أحيا مطلقاً»، شعار المدرسة النيتشوية، التي تدعو للتحرّر من وهم التفكير بالحياة الأخرى بعد الموت، والاستمتاع بالحياة القائمة التي يحياها الإنسان من دون الإنعزال عنها، ونيشته يناهض أفكاره الملحدة التي تنبذ الأديان، وتنكر وجود الله وعظمته، ويركّز فلسفته في رأيه الإنطباعي حول الوجود وماهيته.

الرجل الخارق
نيتشه فيلسوفٌ ألماني أصرّ على مبدأ إرادة القوة فوق الأديان، ووضع في كتبه وخاصة كتابه الشهير «هكذا تكلّم زرادشت»، فلسفة الملحمة ليصوغ نظرية الرجل الخارق، والذي لا وجود له في الواقع، ولكن يقال إنّ هتلر تأثر بتلك النظرية وأطلق على نفسه لقب الرجل الخارق. وبالرغم من نكران نيتشه الدائم من أنه من أتباع داروين، إلّا أنّه اتّهم باعتناقها جرّاء أفكاره الجريئة، وقد تجاسر في رأيه حدّ اللامعقول في الكثير من المواقف، مثل اتهامه للمرأة بأنّها لا تصلح إلا للحب، وقد أصيب في أواخر عمره بمرضٍ عقلي بسبب سماعه لصوت حصان يتعرّض للتعذيب والضرب، فحاول أن يحميه ولم يستطع، فداهمته الأوهام وألزمته الفراش.
يعدّ نيتشه من أهم الفلاسفة الانتقاديين الذين وجّهوا أفكارهم نحو التطوير والترميم السيكولوجي للنفس.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.