الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الخميس 18 نيسان 2019
«يوسف الإنكليزي»: رسمٌ لنموذج الضحية البشرية للحرب
print
favorite
كيف أصبح يوسف القروي رجلاً إنكليزيّاً، وانتقل من الشرق، المنطوي على عالم القتل وسفك الدماء الذي دار على رحى الحرب الضارية، إلى الغرب حيث الطمأنينة تغرس في صدره تساؤلات جمّة عن السرّ الغاشم بين العالمين.

كان في السابعة من عمره يعيش مع أهله في جبل لبنان، عندما أبصر سقف البيت يهوي على أخيه الأكبر وزوجته وابنيهما، وتستحيل الغرفة التي تأويهم رماداً خابياً، يشبه الجرح القاني اللون الذي يستحيل رويداً رويداً إلى ندبةٍ حمقاء، وبدأ الشيب يزحف إلى شعره رغم صغر سنّه.

تأرجح طويلاً في حديقة الدار مفكّراً في حلّ اللغز، لماذا الدمار؟ ولماذا زهقت أرواحٌ كانت هنا إلى جانبه وأصبحت في ركن الغيب؟ أغرق نفسه في عالم الكتابة، فتعلّم الحروف الأبجدية، وهو منحنٍ جانب قبر أمه سارة، عرف كيف يكتب اسمها واسمه، خطّ الألف وكأنّه يغرس جذع شجرةٍ في وسط الورقة، شعر بأنّات الحروف تحت ثقل قلمه، سمع صوت نشيج أخيه الصغير وبكاءه من صدى الكلمات.

وعندما بدأت الحرب في الجبل، وذهب إخوته السبعة ليشاركوا فيها، وانتظرهم مع أبيه وأخيه الصغير، يترامى إلى سمعه خبر موتهم جميعاً، بل يموت الوالد في نفس الوقت وكأنّه يختار من حِمم المأساة أجَله، أمّا هو، فيزداد الشيب في شعره، وكأنّه يرى إبليس في قعر الجحيم حيّاً أمام ناظريه.

وعندما ينتقل من قريته إلى بيت شقيقته في دير القمر، ينخرط في صفوف مدرسة المبشّرين، فيبشر خيراً بين أصدقاءٍ جدد، وأحلامٍ كثيرة، إلّا أنّ القدر لا يغضّ طرفه عنه، فتغلق المدرسة، وتداهمه الحمى، فيقرّر الإنتقال إلى بيروت، لأنّ المدارس هناك لا يمكن أن تغلق مهما كانت وطأة الحدث قوية وعابثة.

لكنّ الوحدة تشبّثت بتلابيبها بنياط قلبه، لفحته بالحزن العميق المبرم، وطالته ببراثنها الحادّة، فقرّر الهجرة من وطنه إلى لندن، فيجدها بضبابها الأسود أرحم من رائحة ولون الرماد الذي خلّفته الحرب، يرى أناساً ينحنون بقبّعاتهم تحية له، ويمنحونه ابتسامة لطالما حُرم منها.

لن نتطرق لنهاية الرواية لأنها متشعبة الأفكار والتسلسل الزمني، ولكن البريق يخفت تدريجاً في سياق الحدث، وهو أمرٌ لم نعتده في روايات جابر، وربما لأنّ الرواية كانت من أوائل أعماله، يتبعثر صداها بين طيّاتِ الحبكة التي تشبه سنابل القمح الشامخة التي تخشع لوطأة الطير المحلّق، فتجذبها الحماسة حتى تكاد تسحقها.

وبلا شك، فإنّ ربيع جابر يشيد هيكلاً سرديّاً منمّقاً، بدون بهرجة صارخة في كلّ أعماله، والمعروف عنه شدّة تعلّقه بأبطاله واندماجه بشخصياتهم، وإبراز عواطفه الشخصيّة ليزرعها بالتالي في صدورهم، وقد أجاد إثارة انتباهنا إلى هذا الكمّ الهائل من الأحاسيس الفيّاضة ولكنّه أفاض في بعض التفاصيل التي هي بدورها مجزّأة ولا تحتاج للمزيد من الإطالة.

اللغة هي نفسها في كلّ رواياته، متينة، مُحبكة، ولكنّها متقطعة في جملٍ قصيرة، قصيرة الأنفاس، تميل للأسلوب الغربي الحديث في الترويج للصمت الفاصل بين الجملة والجملة الأخرى.

ربيع جابر أحد الكتاب اللبنانيين البارزين في كتابة التاريخ بشكل سيرة روائية سردية مثيرة عن شخصية خيالية تختصر مشوار الحرب الأهلية، والنفسية والإنسانية التي أصابت الوطن وحطّت كالغراب الجاثم على صدر مواطنيه، فنجح في تصوير كلّ المشاهد الغائبة عن البصر والحاضرة في البصيرة، ورسم بقلمه إضافةً لا يستطيع أحدٌ إنكارها في دنيا الرواية العربية التي جنحَ أن يجذف بها إلى شطر التعبير الغربي الأكثر اختصاراً والذي يناسبُ مفهومه الميلودرامي والإنطوائي نوعاً ما. 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.