الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الاثنين 08 نيسان 2019
«ترنيمةُ عيد الميلاد» لشارلز ديكنز..مسرحٌ متحرّك
print
favorite
تماماً كما الرواية في القرن الثامن عشر، طغت الكلاسيكية العميقة التي أُطلقت آنذاك لتميِّز بين الكاتب الكلاسيكي والكاتب الشعبي، وكان المسرح يعتمدُ على المنهجِ التجريبي في تسيير الحوار وترتيب الأحداث، وينتمي إلى المدرسة التصويرية حيث يتلقّى المشاهد الرسوم البصرية على شكل ممثّلين يتمايلون على خشبة المسرح بإلقاءٍ درامي مبالغٌ فيه، ومخاطبة للإنفعالات النفسية من خلال إثارة مشاعر الرائي.

في كتابه «ترنيمة عيد الميلاد»، المكوّن من قصتين، واللتين تصلحان لأن تكونا سيناريو معدّاً للمسرح، يمخر الكاتب تشارلز ديكنز عباب التمثيل الدراماتيكي والدرامي، الذي يحتملُ الكثير من الأقنعة والتفاعل النفسي، والرقص على إيحاء الحدث، من دون أن يعتمد كغيره من كتّاب عصره على الإرتطامات الدائمة بالحوار المطوّل والتجاسر على الإكثار من الخِدع البصرية وتمويه مخيلة المتلقي.

3 أشباح

القصة الأولى تجري أحداثها في لندن، وتتمحور حول مستر سكروج الذي يعاني من عقدة التذمّر والتعالي والبخل المُدقع. يأتي ابن شقيقته ليدعوه لقضاء ليلة عيد الميلاد مع عائلته، ولكنّه يرفض متذرّعاً بأنه لا يؤمن بكلّ تلك البهرجة التي تغلّف هذا اليوم المجيد، ويردّ المحتاجين الذين أتوه طالبين العون بكلّ قحةٍ واستنكار.

عندما يخلد للنوم في منزله ذاك المساء، يأتيه شبح شريكه في العمل مارلي، الذي كان قد توفي ليلة عيد الميلاد قبل 7 سنوات، وكان مكبّلاً بالسلاسل الثقيلة، ليحذّره بوجوب تغيير حياته قبل فوات الأوان، مخبراً إيّاه بأنّ أشباحاً ستزوره في الساعات القادمة من الليل الطويل.

يأتيه الشبح الأول على شكل ماضيه، الذي يذخرُ بالأنانية المبرمة، ينطوي عليها صدره بسبب شحّه وحبّه الشديد لادّخار الأموال.

الشبح الثاني يحضر على شكل الحاضر الذي يظهر له مدى سعادة الناس البسطاء من حوله، مثل ابن أخته ومساعده الخاص في المكتب، وأهمية تعلّقهم بأسرهم وبإظهار مشاعرهم الراقية تجاههم.

الشبح الثالث والأخير يتمثّل له على شكل مستقبله، حيث سيُدفن بشكلٍ مزرٍ، ويتمّ التعامل مع جثّته كمصدرٍ للسرقة من قِبَل بعض المستغلّين لحرمة الموت، فترتعد فرائصه ذعراً، ويقرّر تغيير مسار حياته.

القالب المسرحي الذي وضعه ديكنز للقصة يسلب لبّ القارئ، مبتعداً عن أسلوب المسرحيين الكلاسيكيين الرومانسيين في الإنتصار للعاطفة على العقل، متأبطاً الغاية النفعية للأدب بامتياز، خاتماً توقيعه على شكل عبرةٍ للآخرين، وكأنّه يصرخ بأن اتقّوا يا أولي الألباب.

المرارة والشر

في القصة الثانية، يقدّم ديكنز أشخاصاً متفاوتين في العمر والفلسفة والتفكير. يصف لنا حياة رجلٍ يكبر زوجته الجميلة سنّاً، ولكنّه يحيا معها حياة سعيدة، ويتفاجآ بعزم صديقهما الثري العجوز على الزواج من صديقتها الشابة.

تتشابك الأحداث ويدخل شابٌ متنكّراً بزيّ رجلٍ عجوز بحجّة أنه ضلّ الطريق إلى منزلهما، ليراه الزوج من الشرفة وهو يخلع عنه القناع الذي تنكّر به، وهو يتحدّث إلى زوجته بشغف. فيظنّ بأنّه عشيقها ويهمّ بهجرها. ولكنّ السرد يتطوّر ليتضّح بأنّ الشاب هو حبيب الفتاة التي تهمّ بالإرتباط بالرجل الثري وتنتهي القصة نهاية سعيدة.

الحوار المطوّل في قصتي الكاتب تُخرج الإنسان من حدود ذاته البشرية، ليقحم آفاق المنطق والفلسفة من خلال عكوفه على تجربة المرارة والشر، ليعطي الخير حقّ قدره.

وقد تناول بعض الخصائص والظواهر في شكلٍ نقدي، سابراً أغوار النفوس البشرية بخفة واتقان عظيمين، مانحاً للهيكل السردي فسحة التنفس الهادئ الوقور، دون اللهاث وراء النهاية المعتادة لدى الكتاب الكلاسيكيين.

تشارلز ديكنز صاحب رواية «قصة مدينتين» التي أحدثت ضوضاء مدوية لدى نشرها، استطاع أن يثبت براعته في كتابة القصة المسرحية، وهو صاحب المقولة الشهيرة: «لا يوجد شخص غير مفيد في هذا العالم، ما دام يستطيع تخفيف عبء الحياة عن كاهل شخصٍ آخر». 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.