الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الأربعاء 03 نيسان 2019
«مطرٌ جاف»... قصص قصيرة تخضع للحَبكة
print
favorite
في تنسيقٍ محكمٍ يتماشى مع معيارٍ دقيق لحبكة القصص القصيرة، الذي هو فنٌّ خطيرٌ وقع في شركه كبار الكتاب، تتهادى الكاتبة هيفاء بيطار مع الحدث الأولي والمبدّل والوضع النهائي لكلّ قصة من قصصها في مجموعتها القصصية «مطر جاف»، بسلاسةٍ وانسياب، لتلمّ بأطراف الحكاية وتمسك بتلابيبها بتمعّن ورويّة، وتزن تصاعدَ الحدثِ بهندسةٍ أدبيّة حادّة الطرف، نافذة البصيرة، فتفتح أمام القارئ أبواب التساؤل والتأثر والإنعتاق من شرنقة الملل.

القصص تحدث يوميّاً، مع كلّ الأفراد من مختلف فئات المجتمع. تبدأ في القصة الأولى بعنوان «مطر جاف»، والتي تعمّدت أن تسكب فيها خواطر وجدانية ومناجاة مونولوجية، بالإنفلات مع أحاسيس البطلة المخذولة من قصة حبّ تملّكت بزمام أمرها، ولكنها انتهت بخيبة كبيرة من جرّاء هجر الحبيب لها، فنجدها ثائرة حانقة تسعى للإنتقام من غدره باستسلامها لأحضان رجلٍ غريب، وهي متيقّنة بأنّها تضرّ نفسها وتهتك جسدها، ولكنّ الغضب واليأس قد بلغا ذروتهما الإنحرافية، فانهارت في بحر الخطيئة دون أن ترحم تدهور وانحدار روحها إلى مطبّات الإثم.

بطولة مطلقة

في قصة أخرى بعنوان «بطولة مطلقة»، تتمحور الحكاية حول ممثلة صاعدة تسعى ما وسعها عقلها وإرادتها أن تنال البطولة الأولى في فيلمٍ ما، فتهب جسدها لمن هبَّ ودبَّ من مخرجٍ ومنتجٍ ومؤلّفٍ حتى تصل لمبتغاها، ورغم ما بذلته من العري والعربدة والخزي يتهرّب منها الجميع بعد أن ينالوا وطرهم منها.

أم جعفر

وفي حكاية تحمل عنوان «أم جعفر»، تجسّد لنا الكاتبة صورة المجتمع المهمّشة في شخص أم جعفر، عاملة التنظيف في المنازل، والتي اضطرّت أن تترك تعليمها صغيرة رغم شغفها به بسبب والدها الذي أرغمها الزواج من رجلٍ كهل، ذاقت معه كلّ أصناف الهوان، وانتهى به المطاف في السجن بتهمة تهريب المخدّرات، تاركاً إياها مع ولدين، أحدهما شبَّ مدمناً للمخدّرات حتى ينسى واقعه.

تعرض عليها صاحبة أحد البيوت التي تعمل فيها أن تسعى مع زوجها لإخراجه من السجن، مقابل أن تعمل لديها ثلاث سنوات مجّاناً، وهذا رغم ثراها الفائق، فهي تطمع في كدّ وتعب امرأةٍ فقيرة محمّلة بالهموم، ترزح تحت وطأة المرض، وفي المشهد الأخير نرى أم جعفر تنظف منزل تلك السيدة، وتكسر فيه عن طريق الخطأ تمثالاً من الكريستال لامرأة عارية، فيصيبها الهلع الشديد وتهوي على الأرض فاقدة الوعي، وقد تراءت لها أنامل السيدة الثرية المطليّة أظافرها باللون الأحمر، تمتدّ لتنغرس في عنقها، بينما تحلم هي بالكتاب وبعهد الطفولة الذي سلب منها.

دفتر الانتصارات

في قصة «دفتر الإنتصارات» نموذجٌ سيكولوجي عن إنسانٍ أرهقه الفقر حتى سلبه وعيه وكدّس فوق روحه طبقات من الحقد الأسود، فلم يعد يبصر إلّا عماه وحقده.

تدور القصة حول شاب سوداني هاجر إلى مدينة شيكاغو كي يعيل أمه المسكينة التي بالكاد تجني قوتها في السودان من خدمة المنازل، ولكنّ نقمته على طبقة المجتمع الثرية التي تستهزئ بالمال وترميه مثل القذارة في قمامة اللامبالاة، تدفعه لأن يدخل محلات الألبسة الشهيرة والأغلى ثمناً، مستخدِماً شفرة صغيرة، يستعملها ليحدث خللاً في الملابس الباهظة السعر.

ويسجّل انتصاراته على ورقة صغيرة، حتى يضبط متلبّساً في النهاية من خلال كاميرا المراقبة في أحد المحلات، ويساق إلى السجن مصطحباً خلسة شفرته «الصديقة» كما يسمّيها، مقرّراً أن يضع حدّاً لحياته فيما بعد.

حوار صباحي يومي

في قصة «حوار صباحي يومي»، يناجي بطل الحكاية نفسه وكأنّه يتحدّث مع صديقٍ له، يحاول أن يتمرّد ساخطاً على زمن «المحسوبيات»، حيث القوي يأكل الضعيف، والنظام يأكل النظام، ولكنّ صديقه أي صوته الآخر، يصيح به مؤنّباً، مشدّداً على ضرورة احتفاظه بوهج ضميره الناصع، ومحاسبة نفسه قبل أن يرتكب أيّ رذيلة، هو صوت الخير يتحدّى صوت الشر، تحت ضغوط المجتمع الذي جافاه العدل، فاحتكر سياسيّوه الوظائف لحاشيتهم، وهمّش الأثرياء فيه دور العلم وفضّلوا سلطة المال والجاه.

مطر جاف

في «مطر جاف» قصص أخرى، تراوحُ بين المغزى الذي يصبّ في قارورة الإنتقاد والتجلّي التام لنقائص المجتمع، وقد خضعت لمعيار الحبكة بدقّة متناهية، وتحصّنت من الغزو الخارجي لتشتّت الحدث الذي قد يقع عندما يتمادى الكاتب في الوصف الخارجي والداخلي للقصة، فنجحت الكاتبة هيفاء بيطار في ضبط الإيقاع والنأي به عن التجويف والتحريف، ولم تتمادَ في التصوير الذي يمنح القصص القصيرة طابع الرتابة والملل. 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.