الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 02 نيسان 2019
«يوميّات نائب في الأرياف»
print
favorite
النقدُ الحديث بحيثيّاته وعناصره وانطباعه، لا يشملُ الأدب المعاصر والحديث فقط، ولا يلزم الناقد بأن يعالج العناصر البنائية الفنيّة حصريّاً للأعمال الجديدة، لأنه لو أخذ في الحساب الكتّاب السابقين لعصرهم من حقبات مختلفة من الزمن، أمثال شارل ديكنز وفيكتور هوغو ودوستوفيسكي ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهم، لوجدنا أنّهم قفزوا بأعمالهم ردحاً كبيراً من الزمن، وأزاحوا النقاب عن خبايا كثير من الأحداث التي ترتّبت في عصرٍ غابوا فيه وبقي قلمهم شاهداً على التنوير المعرفي الفكري.

توفيق الحكيم، كاتبٌ محنّك، عُرِف بأسلوبه التهكّمي الساخر في معالجة الأمور الأكثر دقّة، متّخذاً النقد اللامباشر درعاً يقيه شروراً مستطيرة قد تحيق به إن أجهر بما أُخفي من الفساد في السلطة والسياسة، فهو كمن ينقّب في زمن الحضارة المينوسية، حيثُ تبجّحت الإمبراطورية بالعصر البرونزي، ولكنه يسقط صولجان الملك «ميونوس» بقبضة قلمه الشديدة.

تهكّم

في روايته «يوميات نائب في الأرياف»، يتهكّمُ من خلال بطل حكايته، وكيل النيابة، الذي أوفد إلى قرية نائية في الأرياف، وقرّر أن يدوّن يوميّاته بعد حدوث جريمة غامضة، يذهب ضحيّتها فلّاحٌ بائسٌ فقير يدعى قمر الدولة، وتوضع «ريم» شقيقة زوجته المتوفاة، والتي تمتلك قدراً هائلاً من الجمال، في دائرة الإتّهام، فيقوم الشيخ «عصفور»، وهو إنسانٌ ساذجٌ يلقب بـ«بهلول القرية» البسيط بتهريبها، ولكنّها في نهاية القصة تنتحر لظروفٍ غامضة لم يمط عنها اللثام ويعثر عليها على ضفاف النيل، وإلى جانبها صندوق الإنتخابات.

عادات رجعيّة

يبرز توفيق حكيم النتوءات الضامرة السائدة في المجتمع الريفي، من تفشّي الأمراض دون مبالاةٍ من الأهالي والدولة، وتجلّي الجهل الذي يصطلي بعقولٍ رجعيّة تؤمن بالأفكار البدائية، والعادات الرجعيّة، ويضع تحت المجهر الفساد المشين الذي ينتهجه السلك القضائي، الذي يحاكم الفلاحين على سرقة كوز ذرة، أو جعل الخراف ترعى في حقل الجار، ويترك المأمور وزوجته يعيثان فساداً في القرية من خلال الإنتخابات المدسوسة بالأصوات، والمال المغدق على الجيوب الفارغة، وتحريف الحقائق في أكثر الجرائم شناعةً واستنكاراً.

صوتُ الحقّ خافتٌ وضئيل، لا يكادُ يوشوشُ الآذان حتى يسقط في دائرة التمويه والطمر والخنق، وكأنّ القوّة في الظلم هي مصدرُ الإلهام للقضاة والسياسيين ورجال القانون، ويختم الكاتب روايته بالفراغ، إذ إنّ جريمة قتل الفلّاح تذهب سدى، وتذرها رياح النسيان، بعد أن انشغل الجميع بالإنتخابات فطمست معالمها، وأُجبر النائب أو وكيل النيابة أن يتخلّى عن التحقيق فيها ويودعها في رفّ «الشطب».

الإنسانُ رخيصٌ جدّاً في دوّامة الفساد السائدة، والمال هو السلطان.

ديكنز وادي النيل

زمنٌ يكرّرُ زمناً آخر، وجرحٌ في شريان المجتمع منذ تكوينه لا ينقطع نزيفه، هكذا هي قصة «الحكيم» التي نسجها على شكل تراجيديا ساخرة، فريم تنتحر، وكأنّها ترمزُ إلى قلب مصر الذي يموت كمداً من الفساد الرائج، والشيخ عصفور يشير للإنسان البسيط الذي يمتلك حنكة الحياة ولكنّه ضعيفٌ أمام تدابير البشر، وقمر الدولة القتيل هو الجانبُ الغامض من التساؤل والتخمين، والعمدة والمأمور ورجال القانون هم العناصر الصارمة التي تمثّل اللهاث للأطماع البشرية، والتصارع من أجل حبّ المال. قال أندريه روسو عن توفيق الحكيم بعد أن قرأ الرواية: «هو ديكنز وادي النيل، بل هو كورتلين أيضاً، لأنه امتاز بروح الفكاهة في تصوير مجال القضاء بريشة السخرية».

ورغم الاختلاف الواضح بين أسلوب طه حسين وتوفيق الحكيم من حيث التصوير الفني والميلودرامي والكلاسيكي للحدث، إلا أنّ حسين قال عن الأخير: «إنّ الحكيم يفتح باباً جديداً في الأدب العربى هو باب الأدب المسرحي الذي لم يعرفه العرب من قبل في أيّ عصر من عصورهم».

يبقى توفيق الحكيم رغم الجدل السائد إلى يومنا هذا، رمزاً للثورة الفكرية على عالم الإقطاع والفساد السياسي والديني والإجتماعي، يثور على البيوقراطية الموقّرة تحت شعار السلطة، والتي تفرض القمع والقانون الجائر بقوّة الإرهاب الفردي والعسكري والقضائي. 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.