الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
السبت 30 آذار 2019
«متشرّداً بين باريس ولندن» موضوع سوداوي مع رشاقة نقدية
print
favorite
لا شكّ في أنّ إيمان الكاتب جورج أورويل بمبدأ العدالة الإجتماعية، وحثّه المتواصل من خلال رواياته على تطبيق مبدأ الاشتراكية الديموقراطية، التي لطالما أرخَت بستارها على أفكاره، وعَمّمها في كتابته، هو ما دفعه إلى كتابة رواية عن التشرّد.

«متشرّداً بين باريس ولندن»، رواية نقديّة أكثر منها سردّية، تقحمُ غلالَ المتعارف عليه في المجتمعات البشرية، لترمزَ إليها بالديكتاتورية والحكم الظالم المبرم، ولتكشف خبايا الشارع الأليمة بكلّ حيثيّاتها ورجعِها الدميم.

مبدأ الفقر

يعالج أورويل مبدأ الفقر، من العوامل المؤدّية إليه، إلى الأساليب الملتوية التي يلجأ إليها أصحاب العوَز ليغطّوا عورة جيوبهم الفارغة.

تبدأ القصة من تنقّل بطل الحكاية «الانكليزي الأصل»، من عمله كأستاذ خصوصي في باريس، يُستغنى عنه من قِبل تلاميذه، إلى إنسان تَفرغ جعبته رويداً رويداً من النقود القليلة المتبقّية له، فيلجأ إلى صديق قديم له، ليسانده في البحث عن عمل، ولكنّه يجده في حالٍ من الضَيم تضاهي محنته.

فيضطرّان إلى البحث معاً عن أيّ مصدر رزق، إلى أن يعثرا بعد جهد صارخ على عمل كغاسلي صحون في فندق كبير. الأجر يكون زهيداً والمعاملة جائرة، والضغط كبير، وساعات العمل مرهقة وطويلة. من بعدها، ينتقلان إلى مطعم آخر يفوق الفندق تعباً وإرهاقاً وإلحافاً في استغلال موظّفيه.

يبلغ اليأس ببطل الرواية أن يقرّر مغادرة باريس والعودة إلى لندن، فيكتب إلى صديق له هناك بخصوص إيجاد عمل له، ويتبلّغُ منه الرد بأنّه حصل له على عمل كمساعد لمريض معتوه العقل، وبراتب جيّد. فينتقلُ من فوره إلى لندن بعد أن أبلغ الأخير بالموافقة، ولكن لسوء حظّه يكتشفُ عند وصوله أنّ مريضه قد غادر في إجازة لمدة شهر، عليه أن يقضيه على حسابه الخاص ريثما يعود.

مونولوج ذاتي

هنا، تبدأ حياة التشرّد عند البطل الذي لم يمنح له أورويل اسماً لأنّه تكلّم عن لسانه بلغة المونولوج الذاتي، ويضطرّ إلى المكوث في الطرقات وأماكن الإقامة المجّانية التي تدعى «السبائك» للمتشرّدين، وحتى بيوت الإقامة القذرة التي تقبض منه أجراً زهيداً وتمنحه القذارة والفراش المتآكل من البق والحشرات، ويتعرّف الى نماذج متعدّدة من متشرّدي الطرقات.

نواكب الكاتب في رحلته السوداوية في عالم التشرّد، يرسمها لنا في خطٍّ مباشر، نكادُ نتعثّرُ غيظاً وألماً من حياة الوجع التي تعيشها تلك الفئة من الناس، ولكنّه وبأسلوبه المتناهي في الرشاقة والحداثة، ينجحُ في جعلنا نتخطّى المشاعر السلبية التي فرضها علينا، لنتصاعد مع أحداثه بأسلوبه النقدي البارز، الذي يطغى عليه كونه عمل فترة طويلة في الصحافة.

الفنّ النقدي

يمكن تصنيف الرواية في قالب الفن النقدي، لأنّ الكاتب قد فصّل على مقصلة اللوم القارص، التفاصيلَ البائسة التي يتعرّض لها المتشرّدون في لندن، وشنّ حرباً عنيفة على الإهمال واللامبالاة التي يتّبعها نظام التشريع في البلاد، مشدّداً على أنّ التشريعات العادلة يجب أن تشمل المحافظة على نظافة بيوت إقامة المشرّدين، وتوفير عملٍ لهم، وإنقاذهم من شعورهم المخزي بالدونيّة واللاجدوى من التواجد لهم في كونٍ يعتبرهم من المهمّشين القذرين الأوغاد.

كما يعرجُ على ضرورة تحقيق العدالة في المجتمع الذي يجعل الفقير يموت حتفَ أنفه، ويتردّى في البؤس المدقع، بنظرته الخابية لنفسه، ويفقد الأمل في الحياة التي يراها عبئاً ضخماً يتمنّى الخلاص منه بالموت.

سوداوية جورج أورويل لم تلقِ غبشَ الضباب على حواشي الحبكة، بل مَنحت انسياباً حرّاً للبوح، وشدّت القارئ بأسلوب مستفحل بالتشويق، فنجح في أن يرقى إلى مكان هام في الأدب الروائي «النقدي»، ويجلو الحزن عن مجال الحدث، فيتصاعد في بصر المتلقّي بارقاً في قمم سماءٍ أبنوسية، تجعل من السرد متعة ذاتيّة له، وتزيح اللثام عن الكثير من آفات المجتمع الظالم.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.