الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
الخميس 21 شباط 2019
"قصائد أنبتتها الصخور" رؤى ذاتية في فن الربط
print
favorite
يقدّم الكاتب مصطفى جوني في كتابه «قصائد أنبتتها الصخور»، حلقة مهمّة في حياة الإنسان قبل الشاعر، وهي الرابط المقدّس الذي يشفّه الوجد ويلحفه بالأنوار التي تقحم عالم علاقته بأمه، في ذكرياتٍ لا يخمد لها نار، مفعمة بالضحكة والدمعة والحنين.

الكتاب يدور حول مرحلة ما قبل ولادة الشاعر محمد علي شمس الدين، والتي حفلت بالمصائب وكوارث الدهر، ويبدأ من قرية بيت ياحون بالجدّ علي الذي تزوّج من جدته شهزنان، وقد كان له شقيقة تدعى بدر تطلّقت أكثر من مرة بسبب عقمها.

وابل من الأحزان
يصاب الجدّ علي بعلّة جسدية تفضي به إلى الموت، وزوجته حامل بابنهما البكر. الكارثة تقع على عاتق الأسرة كالسهم المسنون بوابل الأحزان، فتتعهّد عمّته بدر بأن تربّيه مع أمه شهزنان، التي تتزوج من شيخٍ قدير يدعى عبد الحسين لم يمنّ عليه الله بالأولاد، فيربّي علي ويتكفّل به، ولكن شهزنان لا تلبث أن تفارق الحياة، فيتزوج الشيخ عبد الحسين من بدر ويعتنيان بعلي حتى يشبّ، ويتزوّج من آمنة وينجب منها ابنه البكر، وهو الشاعر محمد علي شمس الدين.

بعد أن تتوسّع تجارة علي في بيع الألبسة ويقرّر المكوث فترة طويلة في فلسطين، يطلب من آمنة أن تعهد بطفلهما محمد علي إلى العمة بدر ليؤنسها ويعوّضها عن غيابهما، فتحتجّ وتصرّ على إبقاء طفلها معها فيقوم بضربها وإجبارها على الإذعان لمشيئته.

على مضضٍ، تقبل آمنة بإيداع طفلها في أحضان بدر التي لم تقدّر معنى حرمان طفلٍ من أمّه، وربما تعذّرت بالوشائج المتينة التي تربطها بحفيد أخيها حتى خالت بأنها ملكته، ولكنّها بلا شك تعتنق مفهوم الدونية لعجزها عن الإنجاب.

حقيقة والدته
لم يدرِ محمد علي حقيقة بأنّ آمنة هي والدته الحقيقية حتى بلغ العاشرة، وقد نشأ مزمّلاً بتلابيب السكون، يجوب الوديان والسهول، يتحرّك في قرارة نفسه إبداعٌ عميق لا تلده إلّا الأحزان. ولكنه لم يقنع بالحجج والأعذار التي قدّمتها له أمه كسببٍ مقنع لأن تشيح بحنانها عنه كلّ تلك السنوات، فينأى بنفسه عنها، وتفعل هي بدورها نفس الشيء لأنّها كانت ترى بأنّ ملامحه تجسّد صورة بدر، وبقي على حاله معها حتى بعد أن بلغ الثامنة عشرة ورحل إلى قرية بنت جبيل ليعمل كأستاذٍ فيها.

يحاول الكاتب بأن يرصد وجه الأم في قصائد محمد علي شمس الدين، الذي يقرّ بأنّه كتب لها ثلاث قصائد تنهلّ مترنّحة هازجة إلى قعر الإحساس، ولكنّه يرغمه على الإقرار بأنّ أمه قد ورد ذكرها في ملامح قصائد كثيرة أخرى، كما يعمد إلى دمج بعض قصائد الشاعر مثل قصيدة :»الحرية أو المرأة التي فرّت من لوحة سلفادور دالي»، بحنينه الأزلي للتمرّغ في روح أمه، وكذلك في قصيدته «وجهٌ لليلى» الذي ينكر فيها وجود عشقٍ جنوني بينهما تماماً كما حدث بينه وبين أمه، وكذلك في قصيدته «وجهٌ لحامد».

سرد شيّق
لا يمكن اعتبار الكتاب أو تصنيفه كنمطٍ وصفي أو سردي، فالنص يفتقد لكثير من العناصر الأساسية لهما، وافتقاد البراهين والتأويل واضحٌ بين السطور، كما لا يمكن أن ينتمي للسيرة الغيرية لأنها مبتورة ولا يظهر من وجوهها سوى وجهٌ واحد وهو علاقة الشاعر بأمه، وربّما صنّفت في فنّ الربط بين المحسوسات والمكنونات، كما نلحظ تشتّتاً واضحاً عن المحور الأساسي عند انتقال الكاتب للحديث عن قصيدة «أعلى الممالك» والتي ردّ فيها الشاعر محمد على قصيدة المتنبي، فخرج من صلب الفحوى.

ولكنّ اختيار مصطفى جوني لهذه الحلقة الصارمة التي تحدّد مسارات الكاتب مع أمه كان حاذقاً، وشيّقاً رغم تزعزع بعضٍ من عناصره، خصوصاً أنّ علاقة الشاعر بأمه كانت واهية المعالم. ويذكّرنا محمد علي شمس الدين بأرنست همغواي الذي كتب بدوره فقط ثلاث رسائل إلى أمه، وكأنّ هذا الرقم هو وحيٌ ميلودرامي يرشحه قلم مبدعٍ بحجم شمس الدين ليعبر من خلاله إلى ملكوت النور.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.