الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

العميد البروفسور جان داود
الخميس 21 شباط 2019
من أجل نهوض مُستدام: مجلس أعلى للثقافة
print
favorite

هناك في العالم من دون شك دُول حاضرة غائبة، وحكومات ومؤسّسات حاضرة غائبة. وعرفنا في لبنان أيضاً وزارات بمثابة الحاضرة الغائبة، رغم دورها الاستراتيجي والأساسيّ في حياة الوطن ومستقبله. وزارات حضرت إسماً وإعلاماً وتكريماتٍ وصوراً تذكارية، ولكنّها غابت على مستوى الفعل والإنجازات (أترك الأسماء لأوراقي). وذهب البعض توصيفاً لها إلى ما يُحرِج من مفردات: عقيمة، باهتة، بائسة، ضامِرة، خائرة، هزيلة، عجفاء، مُهمَلة، مُهمِلة، مخطوفة، مُقصّرة، غائبة، مُغيِّبة، كواليس لا مسرح لها.

قد تصحّ جزئيّاً تلك التوصيفات، ولكنّها تظلم طيّبين وجيّدين يعانون من أجلها مِمّن تولّوا يوماً سدّة المسؤوليّة فيها، أو مِن أهلها المُقيّدي الأيدي والممنوعين من الفعل لسبب أو لآخر. كما قد تظلمُ تلك المفردات بعض مَن قام أو يقوم فعلاً بعمله داخل تلك الوزارات باحترافيّة ولكنّه في حال العين البصيرة واليد القصيرة.

أمّا وقد تشكّلت حكومة، وعلى كاهلها الكثير، والنهوض بالوطن حلم الشباب الأنقياء ومصدر توطيد وتعزيز ثقتهم به، فنسأل ضخّ خبراء رؤيويّين في الوزارات. وإنْ لا قدرة على ذلك أو لا رغبة فيه، فعلى الخبراء أن يتجنّدوا في حراك مؤسّسات مدنيّة تُعوّض تغييبهم عن مركز القرار إنماءً وبناءً. كما أنّ هناك ضرورة استحداث ترابط وتكامل وتنسيق بين الوزارات (أو تفعيله إنْ كان موجوداً) وفتح مسارات التفاعل بينها في ديناميّة تحقّق المتوخّى بأسرع السّبل. فنجاح بعضها رهن في بعض جوانبه بقرينات لها. أذكر، على سبيل المثال، وزارتين يعنيني مشروعاهما بقوّة: التربية والثقافة - وبهما خروج للبلاد من أمراضها.

وأعتبرهُما وزارتين سياديّتين في التنمية والنهوض المستدام. فالتربية والثقافة تترابطان في العمق بوزارة الإعلام والكونسرفاتوارالوطني، وتلفزيون لبنان، ووزارة الشباب والرياضة... هناك تكامل مُلزم بين كلّ تلك المؤسسات ووجبت استراتيجية عمل متكاملة بينها. يجب أن يتواكب عمل وزارة التربية مع مشروع مُتطوّر وعصريّ لوزارة الثقافة (والثقافة في نصّي تعني الإبداعيّة ونشاطاتها، والتنمية الإنسانيّة والفكريّة، والالتزام بحقوق الإنسان والحرّية والعدالة والمساواة). إنّ الاستثمار المُجدي في ظلّ أمنٍ نجحت المؤسّسة الوطنية الكبرى في تحقيقه وحمايته، هو استثمار في التربية. والتربية تُثمَّر بالإبداعيّة، وتكتمل وتُحمى وتنضج وتأخذ بُعدها بالثقافة. كما أنّ حماية المجتمع والأمن الاجتماعي والحياتي عمل ثقافيّ ويتمّ ببناء ثقافة. ويعرف المثقّفون الأحرار أنّ تشويهاً ما أو تطبيعاً ما أو استغلالاً ما للفراغ الثقافي هو في أساس المشكلات والأحداث وربّما الحروب نفسها، على مستوى العالم وليس فقط في لبنان.

ويعرف الأحرار والأنقياء أنّ هناك مَن يستغلّ الثقافة لمصالح وغسل أدمغة. في حين أنّ الثقافة متلازمة مع الحرّيّة، والحُرّ يحيط نفسه بأحرار ويرفض التبعيّة من منطلق كرامته التي تكتمل بكرامة الآخر. وعلى الخبراء وأصحاب الرؤى في المشروع الثقافي معاضدة وزير الثقافة في خطط تحمل الحياة، ولا تسمح للمشاريع بأن تغرق أو تدور في مسالك ودهاليز داخليّة، فتقطع الطريق على المُروِّجين لثقافات ضدّ الثقافة أو لثقافات تناسب مَن يحتلّون المساحات والهواء والشبكات العنكبوتيّة والمنابر والزوايا والخبايا حيث كلّ يُروّج ويُثقّف أو يغسل الأدمغة لصالح مشروعه ومصالحه.

على وزارة الثقافة وعلينا كمجتمع مدنيّ أن نعمل على مشروع ينهض بالنّاس، ويُعيد لهم الفرح، ويرتقي بهم، ويُعيد إليهم دافعيّة الحياة والفعل حيث هناك إحباط، ويُعطي المعنى حيث المعنى مشوَّه أو مفقود، ويُخرِجُ من حال الاستهلاك، ويعيد الحياة إلى دُور الثقافة - وما دُور الثقافة مجرّد أبنية أو إطار قانوني. بات الأمر يحتاج إلى سياسة طليعيّة وديناميّات مُختلفة على مُستوى وزارتين سياديّتين بكل معنى الكلمة في التنمية الإنسانية والاستثمار الأسمى في أهم الحقول: الإنسان.

وأزعم أنّ ورشة الإنماء المُستدام لاستعادة الوطن تنطلق بشكل رئيس من وزارة تربية تثور على نفسها وتَخرج من وظائفها وسبلها التقليدية وتحمل التعليم في لبنان إلى تربية، وتحوّله من التلقينيّة إلى الإبداعية (مشروع نعمل له بصمت ونؤسّس به للتغيير البنّاء، وله في الوزارة كفاءات موثوقة وواعدة). ويجب أن تتواكب نهضة تقوم بها هذه الوزارة مع تطويرات هامّة في وزارة الثقافة. ونرى أنّ تكوين مجلس أعلى للثقافة قد بات ضرورة قصوى.

نريد مجلساً أعلى للثقافة، أعضاؤه أهلُ مشروع، ولاؤُهم الأول والأخير للإنسان والكرامة والمعرفة. مجلس أعلى للثقافة يحوّل الحضور في المؤسّسات إلى حضور ممتلئ وفاعل وحامل للمعنى. مجلس أعلى للثقافة أهله استشرافيون ومن أصحاب الرؤى ينجزون خريطة طريق لعصرنة وزارة الثقافة وإنهاضها من أجل حياة، يتابعون عن كثب المشاريع ويرصدون حسن تنفيذها ويسهرون على تحقيق تكامل مع وزارة التربية والمؤسسات المرتبطة بمشروعهم من أجل إنجازات تليق بطموحات شبابنا وحقّهم بوطن وكرامة.
 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.