الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

بروفسور جاسم عجاقة
-
جريدة الجمهورية
الاثنين 10 كانون الأول 2018
«غولدمان ساكس»: المُشكلة في المالية العامّة
print
favorite
أتى تقرير «غولدمان ساكس» عن الوضع المالي والإقتصادي والنقدي، ليؤكدّ أنّ المُشكلة في لبنان هي مُشكلة مالية عامّة، إضافة إلى غياب الإصلاحات الإقتصادية، التي هي من مهام السلطة السياسية. وأشار التقرير، الى أنّ عجز الموازنة الذي تمّت تغطيته سابقًا من تدفقات رؤوس الأموال، بدأ يأخذ أبعاداً خطيرة تطرح السؤال عن مدى قدّرة لبنان المُستقبلية على تغطيته.

نشر قسم الأبحاث الإقتصادية في مصرف «غولدمان ساكس» تقريراً عن الوضع اللبناني عنونه «إلى متى يمكن للبنان أن يموّل عجزه؟»، واستهل هذا التقرير بالحديث عن الواقع السياسي المُتخبّط الذي يعيشه لبنان وما له من تأثير سلبي على تشكيل الحكومة، وبالتالي على الإقتصاد والمالية العامّة والنقد. وإذا وصف البنك الدوّلي على لسان نائب رئيسه فريد بلحاج لبنان كمقاوم لقوانين الجاذبية، فإنّ القصد كان بقدرة لبنان على الصمود، في ظل مؤشرات وصفها تقرير «غولدمان ساكس» بالكارثية على اقتصاد صغير ومفتوح كاقتصاد لبنان. 

وبحسب التقرير، فإنّ الفترة ما بين 2001 إلى 2007 شهدت مُعدّل نسبة دين عام إلى ناتج محلّي إجمالي بقيمة 154%، عجز في الموازنة بنسبة 10%، وعجز في الحساب الجاري بنسبة 17%. هذه الأرقام تتزامن مع فترة تخبّط سياسي وأمني في لبنان، عدّدها التقرير منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحتى يومنا هذا. 

ويعزو التقرير سبب صمود لبنان إلى ثلاثة عوامل هي: متانة والتزام القطاع المصرفي، دخول رؤوس أموال بشكل مُستدام إلى لبنان، ودعم دولي قوي. ويُرفق التقرير، مقارنة لحجم القطاع المصرفي اللبناني مقارنة بدول أخرى مثل اليونان، مصر، الباكستان، غانا والأرجنتين، حيث يُظهر أنّ القطاع المصرفي اللبناني يحتلّ المرتبة الأولى. أمّا عن حجم التدفقات المالية (مُستثنى منها تحاويل المُغتربين بحكم أنها لا تدخل في الحساب الجاري) فقد سجّل التقرير مُعدّلاً لهذه التدفقات بنسبة 20% من الناتج المحّلي الإجمالي على الـ15سنة الماضية.

ويُظهر التقرير، أنّه خلال العامين المُنصرمين، أخذت ظاهرة الصمود هذه بالتراجع تحت تأثير عوامل عدّة على رأسها عوامل سياسية. وهذا التراجع قدّ يؤدّي إلى أزمة مالية وبالتالي إفلاس (كلمة إفلاس تعني التوقّف عن دفع المُستحقات). ويستندّ التقرير في هذا التحليل إلى ثلاثة مؤشّرات هي: نسبة الدوّلرة (مقياس الثقة بالليرة) والذي ارتفع في العامين الماضيين، فارق الفائدة على الودائع بالليرة والدولار، والذي ارتفع أيضا في الأشهر الأخيرة، وسعر الفائدة الإجمالي على الودائع. وبحسب التقرير، فإنّ التدفقات المالية التي كانت تُغطّي طلب لبنان على التمويل، تراجعت نتيجة الأزمة المالية العالمية، الوضع الجيوسياسي الإقليمي، إنخفاض أسعار البترول، التخبّط السياسي الداخلي، وتراجع الدعمّ الخارجي مع ارتفاع التوترّ بين لبنان ودول الخليج. كما يُشير الى أنّ موّجة خروج لرؤوس الأموال بدأت مع استقالة الرئيس سعد الحريري، ليعاود مصرف لبنان وقفها بواسطة سياسته النقدية التي، وبحسب التقرير، لن تستطيع الصمود إلى ما لا نهاية، بحكم أنّ استمرار فقدان الثقة نتيجة التخبّط السياسي قدّ يُسرّع خروج رؤوس الأموال لصالح دول أخرى. وهنا يستنتج التقرير، أنّ آفاق لبنان الإقتصادية والمالية تبقى رهينة ثقة المُغتربين اللبنانيين والمودعين بالإقتصاد، والتي يتمّ ضربها سياسياً.

ويُظهر التقرير، أنّ الهندسات المالية لمصرف لبنان ساعدت في ربح الوقت، على الرغم من ازدياد العجز في الموازنة وفي الحساب الجاري. فهندسة مصرف لبنان في العام 2016 سمحت بتمويل حاجات لبنان للأموال، ولكن بكلفة عالية تحمّلها كلها مصرف لبنان. وهنا يطرح التقرير السؤال، عن المدّة التي قد يستطيع مصرف لبنان تحمّل تكاليف مثل هذه الهندسات، حيث يتوقّع نقصاً في التمويل بقيمة 5.5 مليارات د.أ في العام 2019 حتى العام 2023.

وهنا يستنتجّ التقرير، أنّ إحتياطات مصرف لبنان كافية لتمويل العجز لمدّة 5 سنوات، مع تشكيكه في أن يقبل مصرف لبنان بتمويل عجز الدولة وحاجاتها من الإحتياطي، بحكم أنّ استخدام الإحتياطي يضرّ بالثبات النقدي ويُشجّع على هروب رؤوس الأموال. فبالطبع يجب معرفة أنّ هذا السيناريو هو سيناريو ستاتيكو، حيث أنّ التقرير إفترض بقاء الوضع على هذه الحال مع استثناء تشكيل الحكومة.

ويُشدّد التقرير على أنّ المخاطر على الأمد البعيد تُعقّد الوضع، مع العلم أنّ زيادة الثقة (التي تبدأ بتشكيل الحكومة) تسمح بتمويل خارجي كافٍ لسدّ حاجة لبنان من الأموال. وإذا ما استمرّ التخبّط السياسي، فإنّ من الطبيعي القول انّه سيكون هناك حركة هروب لرؤوس الأموال، قد تؤدّي على الأمد البعيد إلى الإفلاس. وينصح التقرير الدّولة بتنحيف ماليتها العامّة بهدف الصمود، وذلك من خلال إجراءات تعرفها الحكومة جيدًا (تحسين الجباية، رفع الضريبة على القيمة المُضافة، توسيع رقعة المُكلّفين...).

إذًا، نرى أنّ «غولدمان ساكس» تُحمّل (بشكّلٍ غير مُباشر) التخبّط السياسي في لبنان المسؤولية عن الوضع الحالي. فالعجز المالي، وضعف نمو الإقتصاد هما من مهام الحكومة التي تُعتبر شبه غائبة حاليًا. كما يُشيد بإجراءات مصرف لبنان وخصوصاً هندساته المالية التي سمحت بإبعاد شبح الإفلاس عن الدوّلة.

وفي نفس روحية هذا التقرير، عمدنا إلى حساب الخسارة المالية المُباشرة الناتجة من غياب الحكومة، التي من المفترض أن تقوم بإجراءات فورية مُغايرة لتقرير «غولدمان ساكس» (مثل رفع الرسوم الجمركية على البضائع المُستوردّة، ومُحاربة التهرّب الضريبي ووقف التوظيف في القطاع العام وتحفيز الإستثمارات وغيرها من الإجراءات). هذه الخسائر الناتجة بالدرجة الأولى من إرتفاع خدمة الدين العام، بلغت ما يوازي 25 مليون دولار أميركي يومياً، في ظلّ إستمرار الوضع على ما هو عليه. ويُتوقّع أن يرتفع هذا الرقم إلى أكثر من 75 مليون دولار أميركي في العام 2019 و100 مليون دولار أميركي في العام 2020.

من هذا المُنطلق، أصبح من شبه المُعيب الإستمرار بالتأخّر في تشكيل الحكومة، نظرًا إلى مستوى المخاطر التي تواجه لبنان مالياً ،والتي يُمكن إختصار أسبابها بثلاث نقاط: إفراط في الإنفاق العام، إفراط في الإستيراد وغياب النمو الإقتصادي. وصف الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الفقر في ظل حكومة جيدة بالعار، والإثراء في ظل حكومة سيئة بالعار، وهذا القول يدفعنا إلى إضافة، أنّ الديمقراطية في ظل غياب حكومة هي عار.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.