الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الأربعاء 24 تشرين الأول 2018
دروز بلغراد لربيع جابر.. إبداعٌ مبتور
print
favorite
يتناول ربيع جابر في روايته التاريخية «دروز بلغراد» مجازر واقعية حدثت بين المسيحيين والدروز في الفترة الواقعة في القرن التاسع عشر، حيث ساد حكمُ الدولة العثمانية وتجهّم الوضع السائد ليطال الأقاليم الأوروبية التابعة لها.

هي حكاية «حنا يعقوب» الرجل المسيحي، وبائع البيض الذي اقتيد عن طريق الصدفة بينما كان يسرح على الميناء متأبّطاً سلّته مع سجناء دروز ليقضوا فترة الحكم في غياهب السجون، ليكمل العدد المبتور فقط لا غير بعد أن دفع والدُ السجناء الشيخ غفار كلّ ما يملك من ذهبٍ فدية أحد أولاده، فاضطر الضابط أن يحضر بديلاً عنه كي لا يفتقد غيابه أحد، ويلصق به لقبه، وكان هذا البديل حنا.

فتنة طائفية
فعقب فتنة طائفية في لبنان تجلّت برمّتها عام 1860، نفي 550 درزياً وتوجهوا عبر سفينة أقلّتهم إلى بلغراد ومن بعدها إلى الهرسك وكوسوفو وبرشتينا والجبل الأسود، ليقضوا فترة حكمهم حيث قضى معظمهم موتاً أو قتلاً هناك. التفاصيل الدقيقة لحياة السجناء نعيشها بدقّة متأنّية مع قلم ربيع جابر الذي يأخذنا ونحن لم نبرح أماكننا إلى الأغلال الثقيلة التي تكبّل أيديهم، واللطمات التي يتلقّونها دائماً ولأسبابٍ تافهة، والسجن الذي يشبه الصناديق المعلّبة، والمعاملة اللاإنسانية التي يحظى بها هؤلاء البشر. في النهاية تكون عودة حنا بعد إثنتي عشرة سنة قضاها ظلماً يترع كأس الوجع اللامرئي المكبوت.

تفكّك الحبكة
رحلة حنا من بيروت إلى بلغراد كانت مخضبة بالحنين والألم، فرغم الجماد الذي يعتري أرواح هؤلاء المرحّلين عن وطنهم، إلّا أنّ البلور الإنساني ينضح زخات دمعٍ مكبوت من معاناتهم، ويتكوّر على شفافية قاتمة ولكنها تشي بتشويقٍ مقبل يتتبّعه القارئ بتوقٍ وانحياز.
الحبكة تبدأ بالتفكك وتأخذ طريقها إلى البتر عندما يتنقل حنا بين السجون الأخرى، فالمشاهد الدمويّة تكاد ترسم طريقاً لا ينتهي في مسار الرواية، منظر الدماء والبتر والقطع والجماجم البشرية التي تتطاير في الهواء. فربما استقت مخيّلة الكاتب تلك اللقطات التصويرية من الوضع الحالي الذي نعيشه في ظلّ وجود الإرهاب فأتت مقارنته متطابقة تكاد تنطق بهذا.

إبداع الكاتب
إبداع جابر يشهد لهاثاً متقطّعاً للجمل، إذ يوصل كلمة بأخرى ثمّ يقطع شريانها الذي يضخّ ترقّباً للكلمة التي تليها، وكأنه يحتمي بأسلوب الغرب في الإقتضاب خوفاً من الإسهاب، ولكنه لاشعوريّاً، يتحدّى تجاوب القارئ سلباً، ما يجعله يقع في هاوية التشتّت الذي يلملمه بحدثٍ جديد يبهر البصيرة ثانية.
جمالية الحدث تبلغ ذروتها في بلغراد ثمّ تتهدّل منطوية على نفسها في باقي السجون، وتسيل حانقة جارفة الإيقاع العالي المدوي في رسم مناظر الموت البشعة ما يسبّب خضّة سيكولوجية للقارئ ويُغرقه منهكاً في بحرٍ من التوتر.

رواية «دروز بلغراد» نالت جائزة البوكر عام 2012، وقد صُنّفت كواحدة من أهم الروايات التاريخية التي جردت فاصلاً مهمّاً في تاريخ لبنان، ولكنّ تقنيّات الرواية تختلف في عين الناقد عن منظار التاريخ، فقد كتبت «ليدي سلفير» عن الحرب الأهلية الإسبانية عام 1934 في روايتها «لا تبكِ» ونالت جائزة غونكور الفرنسية، ولكنها تكلّمت، على الرغم من افتقار روايتها لبعض الجوانب الفنية التي سنتناولها في مقالٍ منفردٍ لاحق، من خلال صوتين شاهدين على الأحداث المتقطّعة التي عصفت في الشوارع وقتها، ولم تتّكل فقط على لقطات متفرّقة من عدّة أشخاص تكاد تكون ومضة عابرة كما فعل جابر الذي انتقل بنا من بطل الرواية الرئيسي إلى شخوصها الثانويين بطريقة لا تسلسلية ولا منطقية، ولم يثبّت كل شخصية في مكانها على حدة، وهذا يوعز للناقد بأنّ ربيع جابر كان مرتبكاً ومنهمكاً بتصنيف أحداث التاريخ خوفاً من إلقاء نفسه في جوف الضياع فيها وتعرّضه لرقابة المؤرّخين في الأحداث والمعارك وأنواع السجون، واستحضار وجهة نظره من حيث الإسقاط التاريخي للأحداث وتكرارها في كلّ عصرٍ وزمان، ما شغله عن ترتيب أحداث روايته وتصنيف شخصياتها.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2018 Al Joumhouria, All Rights Reserved.