الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

رنا اسطيح
-
جريدة الجمهورية
الجمعة 15 كانون الأول 2017
تانيا صالح: «تقاطُع» فنّي وُلد من رحم الوجع العربي
print
favorite
بين الشوارع العربية ومن مدينة إلى مدينة تنقّلت تانيا صالح حاملةً صوتها وقصائدها وريشتها لتعود إلى الساحة الفنّية ومعها مولود جديد أبصر النور من عتمة الأوجاع العربية، ليولد «تقاطع» وهو عنوان ألبومها الجديد أو بالأحرى مشروعها الفنّي الهائل الذي يزاوج ما بين الريشة والموسيقى ويحمل أفاقاً فنّية واسعة تتلاقى على حدودها أشكالٌ مختلفة من التعبير الفنّي سواءٌ بالرسم أو الشعر أو الموسيقى، لتخاطبَ موضوعاتٍ من صميم شوارعنا العربية بأوجاعها المزمنة ومسكّنات الأمل المدسوسة خفراً ولو في هزائم الحب المرجوّة.

لا يمكنُ مشاهدةُ الفيلم القصير الذي طرحته تانيا صالح بالتزامن مع إطلاق ألبومها «تقاطع» وحمل العنوان نفسه، من دون حبس 13 عشرة دمعة أو أكثر مع مطلع كل أغنية جديدة يصوّرها الشريط الذي أبدع إيلي فهد بإخراجه واستطاع أن يُظهر من خلاله الأبعاد البصرية الشائقة لكل أغنية من أغنيات الألبوم.

13 دمعة


ففي ألبوم «تقاطع» 13 أغنية لحّنت تانيا صالح معظمها وكتبت كلمات اثنتين منها هما «لا سلام ولا كلام» و»كيف بروح» أما الأغنيات الباقية فهي من كلمات كبار شعراء العالم العربي من أمثال نزار قباني ومحمود درويش وبيرم التونسي ويونس الإبن ونازك الملائكة وصلاح جاهين وبدر شاكر السيّاب وجمانا حداد وسواهم.


قصائد هي بمثابة كنوز حقيقية استغرق تنقيب تانيا صالح عنها عامين وأكثر، وهي قصائد تفوح منها الروح الثورية الناقمة على الفساد والقمع والجهل والتخلّف والعنف، وُضعت في قوالب موسيقية أثبتت تانيا صالح من خلالها روح التجديد الذي تسكنها فأخذت النغم الشرقي في رحلة موسيقية ممتعة إلى أنغام الإلكترونيك مدخِلةً في بعض الأغنيات مؤثرّات صوتية حقيقية سواءٌ من خلال الاستماع إلى شاعر يلقي بصوته أبياتاً من قصيدته أو من خلال أصوات أخرى غزت فضاء هذه الأعمال الموسيقية لتكرّس بُعدَها الوقعي وتربطها مباشرة بمصدر سلطتها الحقيقية وهو الشارع.

ترسم خرائط جديدة


الرحلةُ إذاً شعرية ما بين الأزمنة القديمة منذ أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى أحدث الأعمال الشعرية كما في «أنا ليليت» للشاعر جمانا حداد ولكنها أيضاً رحلة موسيقية ما بين الشرقي والغربي وموجات موسيقية جديدة عُرفَت تانيا صالح بجرأتها في أن تكون أوّل راكبيها وهي رحلة جغرافيةٌ فعلية ما بين عدد كبير من المدن العربية، حيث أعادت تانيا صالح رسم خريطة من نوع آخر هي خريطة لا تحدّها حدود جغرافية محدّدة وإنما يجمعها الوجع نفسه، ما بين مدن سوّيت بالتراب وبين قلاع تعيش على الأمجاد وربيع لم يزهر سوى السواد وصولاً إلى المرأة التي لها حصّة وافرة من القصائد التي تحاول أن تزورها في سجنها سواءٌ أكان مملكة ذكورية وهمية أو قمعاً اجتماعياً أو دينياً مقنّعاً.

في كل لوحة قنبلة


هذه الأفكار الثائرة على السائد قدّمتها صالح التي تعّد من أبرز وجوه الفن البديل ومن أجمل أصواته من خلال الأغنية ومن خلال الرسم على الجدران أيضاً، فتركت في كل مدينة زارتها فكرة هي أشبه بقنبلة موقوتة تختبئ في كل جدارية نفّذتها، لأنها تحثّ على إعادة التفكير بكل الموروثات وتتحدّى الفكر السائد على أكثر من صعيد، ففي واحدة تصوّر عاملة منزلية متدلّية من حبل مشنقة مع عبارة «يس مدام» المؤلمة، وفي صورة أخرى تصوّر المواطن الزاحف خلف سلام يوهمونه بأنه قادر على بلوغه، وفي جداريّات أخرى تتحدث عن اللجوء والهجرة والموت وأغصان الربيع المزهرة قنابل.

بين الوجع والجمال


وبالنسبة إلى تانيا صالح نفسها على ما تعترف في حوار خاص لـ «الجمهورية»: «قد يكون الوجع مصدراً للخلق الفنّي وللجمال، ولكنها معادلة مؤسفة، فمثلاً السود في أميركا عانوا كثيراً كي يحصلوا على تحرّرهم، وفي الوقت الذي عانوا فيه خلقوا أجمل الموسيقى والرقص والفنون، ولأنهم ما زالوا يتعذبون لا يزالون يصنعون فنّا جيّداً وجميلاً مقارنةً بشعوبٍ أخرى غير مقهورة».


تانيا التي تخاطب زمنها بشجونه وانكساراته لا توفّر في هذا العمل سلاحاً سواءٌ أكان رسمة أو لحناً أو قصيدة، وعن الخيبات تقول: «الناس الذين نزلوا إلى الشوارع العربية كانوا صادقين بالتأكيد ولكن تمّ استغلالُهم، وهذا الأمر محزن جداً، خصوصاً أنّ الآلاف ماتوا وقُتلوا من أجل الحرّية ومن أجل حقّ الشعوب في تقرير مصيرها والعيش بكرامة».

هزائم الحرب والحب


لهؤلاء تغنّي تانيا صالح واحدةً من أجمل أغنيات الألبوم «لا كلام ولا سلام» وهي من كلماتها وألحانها، وللشرق الحزين تشدو برائعة بيرم التونسي الموجعة «الشرق» وتلومه بأقسى الكلمات بلسان الشاعر الراحل.


وفي مقابل الهزائم في الحروب هزيمة من نوع آخر يتحدّث عنها أمير شعراء فلسطين محمود درويش في قصيدة «فرِحاً بشيء ما» التي لحّنتها تانيا صالح وتغنّيها في الألبوم، وعمّا إذا كانت هي نفسها مهزومة اليوم في الحب تقول: «مهزومة، وطالما أكون مهزومة أصنع هذه الأعمال والأغنيات وأحاول التعبير عن ما يعتريني من هزائم في حبّ الفن والموسيقى والإنسان».

سلامُنا لا سلامهم


وترى أنّ هذه الأغنية تحديداً تُظهِر أنّ الحب ليس بين الأشخاص فقط، وحتى إن فشلت العلاقة بين الناس أو بين الشعوب والأنظمة، ممكن أن يبقى الحب، والأغنية تفسّر وتنقل النظرة الفرحة الإيجابية عنا كشعوب.

فحتى لو تفرّق العالم العربي، نحن كشعوب سنستمرّ بالتعاون مع بعضنا البعض، فتجمعنا لغة واحدة، ورسم شبابنا للغرافيتي وكتابتهم بالخط العربي يشجّع، واستخدامهم ثقافتهم بأجمل طريقة يعطي الأمل. السلام الذي يبيعونه للشعوب لن نصل إليه، ولكن ربّما نصنع السلام بأيدينا يوماً ما».

ثورة بلا صرخة

وعما إذا كانت تعتبر نفسها فنانة ثوروية تقول صاحبة الثورة الفكرية والموسيقي الواضحة: «لا يمكنني تحديد ذلك، أو القول إنني ثوروية بمعنى أنني أصرخ على الأنظمة أو أقوم بأعمال شغب في الشارع. ثورتي صامتة هادئة ومسالمة وأدواتها فنّية بحتة».


وعمّا إذا كانت أفكارُها تعرّضها للتهديد بالسجن كما أحد شعرائها الثورويّين المفضّلين أحمد فؤاد نجم، تقول: «إذا كنت سأوضع في السجن لأنني قلت إنّ المرأة العربية مقموعة ومهمّشة أو لأنني قلت إنّ هناك تطرّفاً وطائفية وعرقية في بلادنا ولأنني قلت إننا لا نملك حقوقنا ولم نحصل على حرّيتنا... بالتأكيد أنا مستعدة لذلك.

حينها الناس سيعلمون أنّ هذا الشخص اعتُقل لأنّ كلامه حقيقي. وقول الحقيقة ليس جريمة، ولكنّ المشكلة أن لا أحد يقولها، لذلك يتفاجأ الناس عند الاستماع إلى أغنية تطرح ذلك وتقول الحقيقة كما هي».

للشعب لا للحاكم


وعن وصف البعض لها بأنها خليفة سيّد درويش تردّ: «لا أحبّ أن يُقال هذا الكلام الكبير عني. أنا أشعر أنني أجرّب فقط في الموسيقى ولستُ خليفة أحد، وإنما جميل أن يقارنني الناسُ بمَن جدّدوا في الفن، وهذا فخر كبير لي.

ولكن طبعاً اسم سيد درويش كبير جداً، وأنا ما زلت صغيرة وفي أول الطريق الفنّي. سيد درويش بتطويره الفنّي أخذ الموسيقى العربية إلى مرحلة متقدّمة جداً، وكان يختار كلمات أغنياته التي تعبّر حقيقة عن الشارع وعن الناس الحقيقيين الطيبين، ولم يكن يصنع موسيقى تدخله إلى البلاط وتقرّبه من حاكم أو أمير أو رئيس.

كان يحب الشعب، والناس كانوا يلمسون ذلك لهذا كان محبوباً جداً، لأنه فعلاً كان صادقاً بالأعمال التي قدّمها. وكلّ كبار الفن العربي يُقرّون بأنهم تعلّموا من سيد درويش».

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2018 Al Joumhouria, All Rights Reserved.