الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

جنى جبّور
-
جريدة الجمهورية
السبت 09 كانون الأول 2017
أدمغتنا تغيّرت ببنيتها ونموّها... فهل يُعتبر جيلنا الأكثرَ غباءً؟
print
favorite
لا يشبه جيلنا الحالي، جيلَ أبائنا وأجدادنا على مختلف الاصعدة، لاسيما فيما يخصّ بنية الدماغ ونموّه. ولكنّ نلاحظ أنّ النظام التعليمي في المدارس لا زال نفسه منذ القدم حتى يومنا هذا، فهل صحيحٌ أنّ هذا الجيل هو أكثر غباءً؟ ولماذا من الضروري تغيير نظام التعليم؟
من الطبيعي أن تختلف الأجيال المتعاقبة بناءً على الخبرات والتجارب التي يمرّ بها كل جيل. ولكن عندما ننظر إلى الجيل الذي عاش منذ سنوات قليلة قبل الجيل الحالي نجد فروقاتٍ شاسعة على الأصعدة كافة.

في هذا السياق، كان لـ«الجمهورية» حديث خاص مع الإختصاصية في علوم الحياة وفي الادارة التربوية وتفعيل المهارات فاتن حسن، التي قالت: «منذ سنوات قليلة، تمتّع التلامذة بمستوى أعلى من الاستقلالية والعزيمة للحياة؛ جيل ناضل لاستكمال تحصيله العلمي في ظلّ الحروب والظروف الاجتماعية الضاغطة لاعتقاده بأنّ العلمَ هو الوسيلة للخروج من الفقر والوصول للسعادة.

بينما إذا نظرنا الى الجيل الحالي، نرى مجموعة من الشباب الذين يتمتعون بالثقة بالنفس والحضور الاجتماعي ولكن في ظلّ الأزمة الاقتصادية الراهنة والاجتياح التكنولوجي لم يعد لديهم الصبر على التعلّم النظامي، وأصبحت مدةُ تركيزهم وانتباههم قصيرة جداً، إضافةً إلى عدم اهتمامهم بالقراءة وضعف مهارات الذاكرة لديهم.

وأعتقد بأنّ الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي قد تسّببت بزلزال من حجم لم نرَ مثله منذ وقت طويل جداً، أو حتّى في أيّ وقت مضى، لاسيما أنّ هناك أدلّة دامغة على أنّ الأجهزة التي وضعناها في أيدي الشباب، لها آثار عميقة على حياتهم، وتجعلهم جدّياً غيرُ سعداء».

بنية الدماغ ونموّه

رغم وجود العديد من الاختلافات بين الأجيال، هناك أيضاً مجالات مشترَكة، حيث تطمح كل الأجيال إلى بناء علاقات جيدة، تحسين الصحة، والتعلّم والاستقلال. وحالياً، يشعر كلا الجيلين بأنّ ّالتكنولوجيا الجديدة قد طغت عليهما.

وتشير الإحصاءات إلى أنه تقريباً 8 من كل 10 من الذين تراوح أعمارهم بين 24 و65 يتمنّون لو أنّ الحياة تبطئ قليلاً! وتشير حسن الى أنّ «التجارب المبكرة تؤثر في تطوير بنية الدماغ، والتي توفر الأسس للتعلم، والسلوك، والصحة في المستقبل.

وكما أنّ الأساس الضعيف يضرّ بنوعية وقوة المنزل، فالتجارب السلبية في وقت مبكر من الحياة يمكن أن تضعف بنية الدماغ، وتستمرّ الآثار السلبية إلى مرحلة البلوغ.

تتألف بنية الدماغ من مليارات من الوصلات بين الخلايا العصبية عبر مناطق مختلفة من الدماغ. هذه الوصلات تمكّن الخلايا العصبية، التي تتخصّص في وظائف مختلفة في الدماغ، من التواصل بسرعة البرق. كما أنّ القدرات المعرفية والعاطفية والاجتماعية متشابكة بشكل لا ينفصل في جميع مراحل الحياة.

فالدماغُ جهاز متكامل تعمل وظائفه المتعدّدة بالتنسيق مع بعضها البعض. كما يوفّر الرفاه العاطفي والكفاءة الاجتماعية أساساً قوياً للقدرات المعرفية، وجميعها تشكّل بنية الدماغ.

وتظهر الكثير من الأبحاث العلمية الحديثة أنّ وسائل التكنولوجيا تؤثر على دماغنا، وخصوصاً على الليونة، وهي الطريقة التي ينمو بها الدماغ ويتغيّر بعد أن يختبرَ أشياء مختلفة.

فكلما تعلّمت شيئاً جديداً أو اختبرت شيئاً ما، يتمّ ترميزُه في دماغك، وتشفيرُه بتغيّرات طفيفة في قوة الوصلات بين الخلايا العصبية، ويمكننا أن نرى تغييرات في بنية الدماغ. كذلك الوقت الذي يقضيه أبناءُ هذا الجيل في استخدام وسائل التكنولوجيا قد يؤدّي أيضاً إلى تغيير بنية الدماغ وطريقة تشبيكه».

هل تجعل التكنولوجيا الطفل غبياً؟

أمام هذا الغزو التكنولوجي الذي يؤثر بطريقة جدّية على دماغنا، هل يمكن اعتبارُ المهارات الجديدة المكتسبة جيدة أم سيئة؟ تجيب حسن أنّ «التعرّض للتكنولوجيا ليس سيّئاً تماماً. تبيّن البحوث أنّ بعض الوسائل التكنولوجية يحسّن القدرات البصرية المكانية، ويزيد من القدرة على الانتباه، وأوقات ردة الفعل، والقدرة على تحديد التفاصيل بين الفوضى، على سبيل المثال.

أيضاً، بدلاً من القول إنها تجعل الطفل غبياً، يمكن القول إنها تجعله مختلفاً. على سبيل المثال، فإنّ استخدام محرّكات البحث على الإنترنت يقلّل من مهارة الأطفال في تذكّر الأشياء ويزيد مهارة تذكّر أين توجد الأشياء. إنّ عدم الحاجة إلى الاحتفاظ بالمعلومات في دماغنا قد يعطيه فرصة أكبر لمهارات التفكير العليا مثل التأمّل والتفكير النقدي وحلّ المشكلات.

وفي المقابل تشير الدراسات إلى أنّ استخدامَ التكنولوجيا يضعف المهارات العاطفية لدى الطفل والتي تمكّنه من بناء الآليات الداخلية لضبط الذات والتحكّم بالمشاعر، إضافةً إلى تأثيرها السلبي في النموّ الحسّي والذي يوفّره التواصل المباشر واللعب مع الأقران. فهل هذه المهارات الجديدة جيدة أم سيّئة؟ نقول: «إنها مجرد وسيلة للتكيّف مع البيئة الحالية».

التفكير الإستراتيجي والإبداعي

في حين أظهرت المجالات الحياتية تغييراً وتطوّراً جذرياً، للأسف لم يختلف نظامُ التعليم بين الماضي والحاضر إلّا بشكل طفيف، حيث ما زال نموذجُ غرفة الدراسة «ذات المقاعد المنظّمة في صفوف» سائداً في معظم دول العالم على اختلاف مستوى تنميتها، وما زال النظامُ يعتمد على المعلم كونه المصدرَ الرئيس للمعلومة وناقلها للمتعلّم.

في هذا الاطار تشير حسن الى أنّ «التقاريرَ العالمية تشير الى انه خلال العقدين المقبلين كل الوظائف ستتغيّر بسبب استخدام التكنولوجيا، الأتمتة (Automation)، الروبوتات والذكاء الاصطناعي. في عام 2030، سيؤدّي العمال مهاماً يدوية وروتينية أقل، وسيركّزون بدلاً من ذلك على التفاعل البشري والتفكير الاستراتيجي والإبداعي.

وعليه، يجب على الأنظمة التعليمية تأهيل المتعلّمين بمهارات متعدّدة لمواكبة متطلّبات العمل منها: التفكير النقدي، حلّ المشكلات، الإبداع والابتكار، التكيّف، التعاون، التواصل، البحث عن معلومات من مصدر، محو الأمية الإعلامية، التوجيه والتقويم الذاتي، وتطبيق التكنولوجيا في عمليات العمل.

ولكن، على معلم القرن الواحد والعشرين أن يصبح ميسّراً مؤثّراً وملهماً من خلال:

• استشراف المستقبل: معلم لا يعلّم في فراغ، يظهر مبادرة وتحرّر في الدفع من أجل التغيير المنهجي من خلال تسلسل المناهج الدراسية وتحديد الأولويات والتدقيق الاستراتيجي في عملية صنع القرار.

• متعلّم مدى الحياة: معلم مرن، مستعدّ لقبول التغيير ومواكبة التطوّر التكنولوجي، يركّز على العملية والنتيجة وليس الأداة.

• يعزّز العلاقات بين الأقران: يمكن للتكنولوجيا أن تؤدّي إلى العزلة، وبالتالي يجب على المعلم أن يدرسَ مهارات العلاقات الشخصية.

• تعليم وتقويم مستويات المتعلّمين: يجب أن يمتلك المعلم أولاً نفس مهارات القرن الحادي والعشرين التي يتوقع أن يكسبها تلامذته؛ ليتمكّن من تقويم كل متعلّم بناءً على قدرته على التعلّم والتزامه بالتعلّم.

• قادر على تمييز التكنولوجيا الفعّالة عن غير الفعّالة

النموذج الأفضل للتعلّم

لا تزال المحاولاتُ التي تجريها مؤسسات خاصة في قطاع التربية والتعليم لتحسين الممارسات التعليمية للمعلمين خجولة جداً، لتحويل دورهم من ناقلي معرفة إلى ميسّرين للتعلّم الذاتي، وقادة مؤثرين في صنع جيل يستطيع مواكبة تطورات عصره. وتلفت حسن الى أنّ «الأطفال في سن المدرسة هم الأسرع في تبنّي تكنولوجيات التواصل والمعلومات.

ولا يحتاج النظام التعليمي إلى تعليمهم كيفية استخدام هذه التكنولوجيات، التي يفيد استخدامُها داخل الفصل الدراسي التلميذ والمعلّم على حدٍّ سواء. أما عن النموذج الأفضل للتعلّم، فبرأيي الخاص، هو التعلّم الذاتي الذي يختار من خلاله المتعلّم ما يريد تعلّمه من معارف ومهارات تساعده في بناء مهنته، ويتحوّل دور المعلّم فيه ليكون مرشداً بحق، يلهم المتعلّم ويؤثر فيه ليصبح أفضل ما يمكنه أن يكون».

التحدّيات الحالية

يواجه الإصلاح التربوي مشكلات عدّة تتلخّص بعدم وجود رؤية واضحة للتعليم، تعالج وتحاكي احتياجات الجيل المعاصر، وتبقى مشكلة مقاومة التغيير من أبرز التحدّيات التي تواجه تطوير التعليم. وتختم حسن قائلةً إنّ «هناك بعض المعلمين الذين يجادلون بأنّ النظام التقليدي السابق في التعليم قد أنتج متعلّمين ومتخصّصين بارعين في المجالات كافة، ويغفل هؤلاء عن التغييرات الجذرية الحاصلة في هذا الزمن والتي تسبّبت بتغيير جذري في النموّ الفكري والعاطفي وحتى الجسدي للجيل الحالي. فيفضّل معظم المعلمين البقاء في «منطقة الراحة» (Comfort zone) الخاصة بهم بدل أن يعملوا على تطوير واكتساب مهارات مهنية جديدة.

وبالتالي إنّ أحد أكبر التحدّيات التي تواجه التربويّين اليوم هو: «كيف يمكننا إعداد متعلّمي الحاضر للوظائف التي لا توجد حتى الآن والتي سوف تتطلّب الكفاءة في تكنولوجيات لم يتم اختراعُها بعد»؟ وبالتالي، فإنّ الوقت الذي يقوم به الناس بابتكار مهن المستقبل، يستدعي نظامَ التعليم إلى التكيّف سريعاً لإعداد الأفراد لسوق العمل المتغيّرة».
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2018 Al Joumhouria, All Rights Reserved.