الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

جوزف طوق
-
جريدة الجمهورية
الخميس 13 تموز 2017
اليسا.. إنتِ على مين عم تضحكي؟
print
favorite
نتساءل أحياناً كيف أخفقَ فنّان صاحبُ صوت ملائكي في أن يصبح نجماً، وكيف تفشل فنّانة جميلة ومهيوبة في بيع تذكرةِ حفلٍ فنّي... ونتساءل عن سرّ الخلطة التي تصنع النجوم وتُسمّم مطربين، ويتّضح أنّ الفنّان ليس مجرّد صوت جميل فقط أو شكل جذّاب، بل خلطة من القرارات الفنّية الصائبة والجريئة في الأوقات الصحيحة، وهذه وحدها هي التعويذة السحرية التي تَعرف اليسا كيف تستخدمها مع كلّ استحقاق فنّي.

اليسا «بس ترصّ» على شغلها تعرف كيف تختار كلمات أغنيتها ولحنَها، وتتحمّس للمغامرة في فكرة فيديوكليب جديدة تفتح بها البابَ على احتمالات فنّية واسعة... وها هي مع أغنيتها «عكس اللي شايفينها» (كلمات أمير طعيمة - ألحان وليد سعد) الخارجة طازة من «فرن حسن الاختيار» أعادت داني بسترس إلى الحياة بعدما كان قتَلها جهلُنا ومثّلَ بجثتِها في شوارع تخلُّفِنا.

رجعت عاشت داني بسترس على «غوغل» حيث بَحثنا عن قصّتها وتفاصيل موتها المشبوهة، ورجعت عاشت على مواقع التواصل الاجتماعي حيث احتفلنا بإرثها، ورجعت عاشت في ذاكرة جيل وُلِدَ بعد موتها أو جيل نبَذها بعد انتحارها.

ليس بالسهل أبداً أن تتجرّأ اليسا على ربط إسمِها وفنّها بقصّة راقصة شرقية كانت حياتها لغزاً وموتها محرّماً، وليس بالبسيط أبداً أن تغامر في فكرة فيديوكليب يَصلح أن تكون سكريبت مسلسل أو حتى فيلم سينمائي.

وبعدين اليسا على مين عم تضحك؟ فهي ليست مجرّد فنّانة، إنّما هي رائدة في الأعمال الموسيقية، لأنّها عرفت كيف تُزاوج بنجاح بين الإبداع والفكرة الفنّية، وكيف تجعل مهارات الأشخاص تتمايل في كليبها حتى تستخرج القيمة التسويقية بحسٍّ فنّي صائب.

وما فيها اليسا تِضحك علينا وتقنعنا أنّ الفيديوكليب هو مجرّد قصّة موت الراقصة الشرقية الأشهر داني بسترس، هذا لأنه قصّة حياة اليسا اليومية ومعها الكثير من النجوم والنجمات، وتفاصيل أحزان وأوجاع تولد تحت الأضواء ولا تستطيع الناس الاستطعام بمرارتها.

اليسا تجرّأت أن تأخذ نجوميتَها في هذا العمل إلى المستوى الإنساني الشخصي، وفتَحت الباب على إعادة اكتشاف أسماء نجوم كثُر غابوا عن الذاكرة الجماعية بفعل عوامل كثيرة. كما تمكّنَت من تغيير الفكرة النمطية الموروثة أبّاً عن جدّ حول الانتحار وشيطنتِه في الفكر الشعبي... وبعد أن نبذنا داني لسنوات طويلة بفِعل انتحارها، نعود اليوم لنضعَها على مذبح اعتلته أسماء كثيرة في الغرب مِثل داليدا وكورت كوباين وغيرهم... ونعود لنتذكّر كلَّ التمرّد والجمال والإبداع والفنّ الذي ضختّه داني بسترس في عروق وطنٍ كان طريح فراش الحرب.

ولم يكن كلّ ذلك ليتحقّق لولا إبداع المخرجة أنجي جمّال التي عرفت كيف تزرع التفاصيل في كلّ مشهد حتى ينبت في رأس المشاهد الاقتناع بما يراه.

فالأبواب العالية التي اختارتها في كادراتها تُضخّم حجم المأساة المختبئة خلفها، والشبابيك الواسعة التي تلتهم ضوءَ النهار لا تستطيع أن تنيرَ الداخل الذي يحافظ على إضاءة تعيسة تعكسُ نفسية الفنّان... حتى إنّ قفلَ الباب ليس مِثل أقفال المنازل العادية، فهو قِفلٌ قادر على أن يُبقي الناس خارجاً وحتى نظراتهم. وامتدّ إبداع المخرجة إلى تصوير اليسا تطفئ الشموع بأصابعها وليس بالنفخ، حتى تُضخّم فكرةَ الوجع الذي يمكن أن يعيشَه الفنّانون بفعل سياط نجوميتهم.

أشرفَت أنجي جمّال على إدارة أوركسترا كاملة من فنّانين في الإضاءة والتصوير والإدارة الفنّية، وكذلك الأزياء والشعر والماكياج والألوان، والستوري بورد لتقدّمَ عملاً سيتسابق كثيرون على اعتماد أنماطه... لا تتأخّري يا أنجي عن أن تغوصي في عالم صناعة الدراما والسينما لأنّهما يحتاجان إلى نظرتك وجماليات كادراتك وذكاء كاميرتك. ولأنّ فيديوكليب أغنية «عكس اللي شايفينها» كان ضربة «معلّمة»، يمكن أن تكون الضربة الأكبر بقرار اليسا إنتاجَ مسلسل لبناني يروي قصّة حياة داني بسترس.

وفيما يَغرق الفنّانون والفنّانات في اجترار أفكار العشق والغرام التي باتت تُسبّب عسر هضمٍ نظري وسمعي فظيع، يَفتح فيديوكليب «عكس اللي شايفينها» البابَ واسعاً على احتمالات من الأفكار التي يمكن أن تُبعِد المسدس عن رأس إبداع مهووس بالانتحار.
التعليقات
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2017 Al Joumhouria, All Rights Reserved.