الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

راكيل عتيِّق
-
جريدة الجمهورية
الأربعاء 29 آذار 2017
«يا عمري»... رحلة دمعة بين تجاعيد الحياة
المخرج هادي زكاك وجدّته هنريات
print
favorite
أنت وعائلتك وأصدقاؤك وزملاؤك وكلّ من يُمكن أن تُصادف من أشخاص يبحثون عن ذواتهم أو غارقين في هوّة الوقت العميقة لاهثين وراء لحظاتٍ عمريّةٍ إفتراضية، غافلين عن كمش اللحظة الآنية بزرع «تشقيقة» فرح على وجه رفيق طريق، أو إيجاد لحظة العمر بين «تغميضة» تعب و«تفتيحة» حماسة... عليكم جميعاً أن تذهبوا «مجموعين» أو منفردين لتشاهدوا قصتكم، قصة الإنسان المرسومة على وجه هنريات مسعد في «يا عمري». هادي زكاك يسمّرنا في هذا الوثائقي أمام الشاشة، نبكي ونضحك في آن لثمانين دقيقة. جدّة هادي هي بطلة ضحكاتنا ودمعاتنا بالتأكيد. لكنه هو مَن حاك قصة البطلة بذكاءٍ وحرفية. هو مَن أخذنا برحلة بين تجاعيد وجهها ليعرّفنا إلى ذواتنا، إلى الحياة، إلى الإنسان، أيّ إنسان. وثائقي يخلّد كلّ ما وُجد في الذاكرة. الحفيد والجدة سيبقيان خالدين من خلال «يا عمري».
يتابع هادي زكاك في «يا عمري» سيرة شيخوخة وذاكرة وحياة جدّته هنريات مسعد عويس التي تخطّى عمرها المئة سنة، ويرصد مخرج «كمال جنبلاط، الشاهد والشهادة» (2015)، «مارسيدس» (2011)، «درس في التاريخ» (2009)، «حرب السلام» (2007) و»لاجئون مدى الحياة» (2006)، في هذا الوثائقي الطويل (83 دقيقة) تحوّل الذاكرة والهجرة من لبنان إلى البرازيل وقصص الحب والأولاد والوقت المعلّق.

بعد أن عُرض في مهرجان دبي السينمائي خلال شهر كانون الأول 2016، وقُدّم عرضه الأول في بيروت الأسبوع الفائت ضمن مهرجان «أيام بيروت السينمائية 2017»، تنطلق عروض الوثائقي الطويل «يا عمري» للمخرج اللبناني هادي زكاك غداً في سينما متروبوليس أمبير صوفيل-الأشرفية.

تمّ تصوير الوثائقي بين 1992 و2013، فجمع هادي زكاك المشاهد التي التقطها لجدّته هنريات بين عمر الـ83 والـ104 أعوام في «يا عمري». ينقّب مخرج الوثائقي اللامع الذي أخرج أكثر من 20 فيلماً وثائقياً، في ذاكرة جدّته، في دفاتره القديمة حيث دوّن القصص التي كانت تخبره إياها جدته وهو صغير... في كتب ومراجع تاريخية... يكمش اللقطة المناسبة من تعابير وجه جدته أو جسدها، يرتّب المشاهد بسلاسة، يركّز كاميرته في الزاوية الأنسب، يغضّ النظر عن حدثٍ ليترك المساحة مفتوحة لتفاصيل يوميات هنريات، يُسيل دموع هنريات على وجوه المشاهدين، ليعود ويمسح تلك الدموع بضحكة هنريات نفسها، ويقطع تجعيدة حزن بالعودة إلى الحدث وكشف حكايته.

يُدخل هادي زكاك نفسه وأولاد هنريات وخادمتها إلى الـ»كادر»، لكنهم يظلون جميعاً غير مرئيّين. كلامهم نراه في عينيّ هنريات، موقعهم وأهميتهم تحدّدها يداها المرتجفتان.

إمرأة تبلغ من العمر 103 أعوام شبه فاقدة للذاكرة، على حفيدها أن يُعرّفها عن نفسه أكثر من مرة خلال لحظات، لا تتذكر أسماء أولادها، لا تذكر أخاها... لا تذكر صورة وجهها... لكنها تتذكر والدها! تصرخ بحرقة «papa». ما يبقى في الذاكرة هو العاطفة، هو الحب. التوق والحنين والشوق عوامل تحفظ لحظات ووجوهاً، رقصاتٍ وقبلاتٍ، ضحكاتٍ وتأوّهات... تخلّد الشعور لا الحدث!

في هذا الوثائقي يُظهر هادي زكاك تحوّلات الإنسان الجسدية، العقلية والعاطفية على مرّ السنين. الحكايات التي لَم تُنسَ في عمر الـ86 والتي أسالت «خبريات» من مخزون ذاكرة هنريات أو تخيلاتها «المهضومة»، لم تُحرّك الذاكرة في عمر الـ103. إنه الإنسان.

هنريات التي أتت من البرازيل إلى بيروت عام 1933 ليخطفها شاب من حياتها القديمة ويُبقيها في لبنان، ينتفض كلّ ما فيها في عمر الـ103 حين يستعيد لها حفيدها حكايتها. وتكرّر أكثر من مرة ندمها وأسفها لبقائها في لبنان وعدم العودة إلى البرازيل.

في عمر الـ103 ما زالت تتكلّم الفرنسية والبرتغالية. الوقت تمكّن من جسدها فقط، وزيّن وجهها بتعرّجات الحياة، لكنها ما زالت هنريات الطفلة التي ترغب بالعودة إلى بحر البرازيل.

ذاك «البابور» حيث قضت هنريات 15 يوماً عليه في البحر كان الفاصل بين حياتين وبلدين ورجلين... في عيني الجدة هنريات الجالسة مبتسمة تتمايل على أنغام ذكرى حملتها إليها الموسيقى، رأينا الشابة هنريات ترقص التانغو في المحيط.

تدخّن هنريات سيجارة وتنظر إلى البعيد، يعطيها المخرج مساحة وقت لتتذكر... أو لترتاح. مبهرة الجدة هنريات. «هيدي أنا؟»، تبتسم كطفلة وتُسارع بـ«تظبيط شعراتها» حين ترى انعكاس صورتها على شاشة الحاسوب. «راحت صورتي» تقول حين ترى صوراً قديمة لها.

«ما راحت صورتك تيتا»، ومن خلال صورتكِ يذكّرنا هادي أنّ هذا الذي يصرخ صرخته الأولى بعد صفعة يد غريب أخرجته إلى الحياة، سيتكّئ بعد صفعات وصرخات على عصا مثل عصاكِ، منتظراً اليد التي تُخرجه من الحياة إلى المجهول، عسى أن يكون محظوظاً بأولاد وأحفاد وأحباء يلعبون دور العصا والحياة أحياناً.

بالسياسة يختم هادي زكاك وثائقيّه المميّز والآسر كتابةً وإعداداً وإخراجاً، «شو رأيك بالسياسة اليوم بلبنان؟» تجيب هنريات البالغة من العمر 103 سنوات: «كلن بدن مصلحتن ما حدا بحب لبنان»!
التعليقات
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2017 Al Joumhouria, All Rights Reserved.