الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

د. جوزيف ياغي الجميل
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 21 آذار 2017
الكأس المقدّسة والشِعر في دوائر إيلي ضاهر
يخفي في طيّاته مطاوي المجهول وجوهر الذات الأوّل
print
favorite
قرأتُ ديوان «دوائر» للشاعر إيلي ضاهر، الصادر عن دار المكتبة الأهليّة، فدارت بي دوائر البحث عن قراءة جديدة لشِعر استمدّ من التراث الشعريّ العربيّ هالته. ولا أغالي إذا قلتُ إنّني ظننتُ نفسي أقرأ بائيّة أبي تمّام.
أقول ظننتُ نفسي، وبعض الظنّ صحيح وليس إثماً. ولي شواهد من الديوان تؤكّد ما أقول.

صوت بلا صدى

أعود إلى قصيدة من الديوان عنوانها: «يا شعر»، ص 83 ، 84، وأقرأ:

مزّقْ نشيد الدجى يا شعر وانتصبِ
واعزف على الصمت
تسمع أنّة الشهبِ
واغضب...لأنّ المنى
جرحٌ به شممٌ
لا توقظ الجرحَ إلّا نشوة الغضبِ

جزء من قصيدة منسوجة تفعيلاتها على البحر البسيط. والبسيط بحر يحمل في أرجائه القوّة والعزم، إلى جانب الجمال والروعة. وقد ظهر العزم في بنية الأمر التي سيطرت على القصيدة.

ففي ثلاثة أبيات أربعةُ أفعال في صيغة الأمر: مزِّقْ... وانتصب... واعزف... واغضب. وهي أفعال من الحقل المعجميّ للقوة المصحوبة بالغضب والتمرّد المعلّلين، والمرافقَين صوتيّاً بحرف الباء الذي يدلّ على البتر والقطع والقوّة، خصوصاً حين يقترن بالصاد والضاد، في كلمات: انتصب واغضب والغضب.

أمّا حرف الشين المصاحب للباء والصاد فهو يدلّ على التفشّي، أي تفشّي الغضب في ذات الشاعر وقد هاله خنوع بعض الشعراء ورضوخُهم للميوعة الاجتماعية التي حوَّلتهم إلى صوت بلا صدى.

صوت الغضب

من جهة مقابلة ، يزداد صوت الغضب قوّةً في اللقاء بين ثنائيتَي الصمت والضجيج، عبر اللقاء بين النشيد (ضجيج) والدجى (صمت)، أو بين العزف (ضجيج) والصمت.

أمّا حرف النون، وهو يحمل دلالة الشدّة المصحوبة بالحزن والثِقل خصوصاً عند التشديد كما في كلمتَي لأنّ وأنّة، فقد أثبتَ أهمّية الثورة التي أطلقَها الشاعر، كي تكشفَ وتحتضن ثورته الخارجة من أعماقه المتأجّجة بالأنين.

أمّا إذا رَبطنا بين الإيقاع والمعنى فإنّ ثنائيّةً تظهر بين السلب والإيجاب. فالتمزيق سلبٌ والانتصاب إيجاب، والعزفُ إيجاب في حين أنّ الغضب سَلب.

وهذا ما يقودنا إلى الحصار السلبي الذي يطوّق واقعَ الشاعر. وذلك لأنّ الشعر بحاجة إلى فعلٍ سلبيّ يدافع به عن نفسه. قد أظهرَت الأفعال بين سلبيتها والإيجاب، نوعاً من التكامل بين الشعر وصاحبه. فالدعوة موجّهة إلى الشاعر كي يتخلّص من قيوده، أو بالأحرى من جرحه.

و تكرار كلمة الجرح مرّتين يؤكّد هذه المقولة. هذا الجرح الذي يولّد الشعر والثورة هو نفسه الذي أعلنَه الشاعر الياس أبو شبكة عندما قال:
إجرحِ القلبَ واسقِ شعرَك منه فدمُ القلب خمرةُ الأقلامِ

صورة كأس

وتظهر ثنائيّة جديدة في بقيّة الأبيات داخل القصيدة، بين الضميرَين أنت ونحن. أنت الشعر ونحن القرّاء/ الشعراء. وهي ثنائية تُبرز ارتباطاً وجوديّاً بين الشعر وصاحبه، أو البشَر بشكل عام. الشعر/ أنت سموّ وارتقاء، والناس / نحن لظى.

الشعر سفور الحلم، والناس دموع الإثم. وحين يلتقي أنت /الشعر بنحن / الناس، تتمّ عمليّة التحوّل /التسامي/ التجمّل (cristalisation). ويلتقي الضميران في نوع من الحلوليّة:

ها أنتَ نحن وما الدنيا سوى سفرٍ...

ولكنّه سفرٌ إلى عالم من القوة والرفعة يُحوّل نحن البشر / الشاعر إلى بطل يواجه الصعاب بعزم لا يلين:

نقود زورقَ عزمٍ والشراع رؤى
ولا نهاب الفنا في لجّةِ اللجبِ


ومردُّ هذه القوّة المحوّلةِ الرؤى التي يحملها الشعر، في نسغِ وجوده. رؤى تجعل الشاعر في مصاف الخالدين، لا يهاب الفناء.

وتنتقل حالُ الشقاء، من الناس إلى الشعر، في نوع من الحلولية. ولكنّه الشقاء المفضي إلى المجد. فالشعر صليب خلاص للشاعر، يبلغ من خلاله آماله الموعودة.

دوائر شعر إيلي ضاهر لججٌ من الهندسة الفكريّة، بلون الدماء، تتوسّطها عينان عليا وسفلى، تؤكّدان الصراع بين عالمَي المثل والظلال، الروح والجسد، كما توحي بذلك صورة الغلاف. تجمع بين العينين، في الغلافين الأمامي والخلفي، صورة كأس.

ولعلّها كأس الخلود التي وصَفها الشاعر في قصيدته يا شعر. هذا اللقاء بين اللوحة والكلمة يعيدنا إلى الكأس المقدّسة التي تحدّثت عنها الميتولوجيا المسيحيّة، والتي تمتاز بقدرةٍ إعجازيّة، وهذه هي حال الشعر، كما أعلنَها الشاعر صورةً وكلمةً وإيقاعاً، في الدلالات القريبة والبعيدة. أمّا الدوائر فهي توهّجُ الشمس، إبّان الغروب، يخفي في طيّاته مطاوي المجهول، وجوهر الذات الأوّل.
التعليقات
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2017 Al Joumhouria, All Rights Reserved.