الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

جوزف طوق
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 06 أيلول 2016
يحاربون السرطان بالمصّاصة
print
favorite
نعيش نحن اللبنانيين اليوم حالاً متقدّمة من الانفصام الحاد في الشخصية بين هويتنا كمواطنين ووَعيِنا كبني آدمين. والذي يلاحظ كمّية الاندفاع الذي نختزنه في داخلنا على ابتكارات العالم الافتراضي... يفترض تلقائياً أنّه تمّ وضعُنا خطأ في هذه البقعة من الكرة الأرضية، وكان لا بدّ أن يكون شَقار شَعرنا ناصعاً وازرقاقُ عيوننا باهراً وكمّية همومنا متدنّية إلى ما تحت الصفر بمنيح، حسب ما يناسب الدول الاسكندينافية.

وبَعدين، ما كلّ هذا الحماس على كلّ موضة جديدة تجتاح السوشل ميديا، وخصوصاً «قبول التحدّي» (Challenge Accepted) للتوعية حول مرض السرطان ودعم المصابين به بنشر صورةٍ بالأبيض والأسود.

يعني ما بخَبّركن أدّيش مرضى السرطان من الأطفال والصبيان والبنات والشباب والصبايا والعجزة فرحوا بمبادرتنا هذه، وكم ساهمت صورُنا بالأبيض والأسود على مواقع التواصل الاجتماعي في التخفيف من آلامهم الجسدية وجروحهم النفسية، وكم سهّلت عليهم نسيان صورتِهم بلا شَعر ورموش وحواجب في المرآة بعد كلّ جلسة علاج كيماوي.

وهم بدون أدنى شكّ تحلّقوا في أقسام السرطان داخل المستشفيات، وطلبوا البوشار والعصير واستقووا على وجعهم البالغ واحتفلوا في حلقات الدبكة والرقص التعبيري بكلّ هذا الدعم الخالي من أيّ لمسة إنسانية، والمليء برياء مواقع التواصل الاجتماعي والذي يعبّر عن مدى تهرّبنا من مسؤولياتنا الاجتماعية واختبائنا في صفحات وهمية لإخفاء مشاعرنا الحقيقية.

إنّو هَلّق بدكن يانا نصدّق أنّ صورة بالأبيض والأسود على «فيسبوك» و»انستغرام» كفيلة بالتعبير عن دعمنا لمرضى السرطان، وهذه الصورة بالذات هي أقصى ما يمكننا تقديمه للذين يصارعون وحش السرطان؟ ألم تعد تنفع زيارة المريض في فراشه؟

ألم يعد ينفع الإمساك بيده والتّربيت على كتفه والابتسام في وجه ألمه؟ ألم تعد تنفع الصلوات والابتهالات والتبرعات بالمال والدم والنخاع الشوكي؟ ألم تعد تنفع باقة الورد وعلبة الشوكولا والزيارات؟ ألم يعد ينفع تواصلنا كأناس طبيعيين وليس كآلات؟

لم يعد مقبولاً أبداً أن نهزّ ذيلنا بحماسة مفرطة ونرسم ضحكة بلهاء على وجوهنا لأيّ موضة افتراضية جديدة... ولم يعد مسموحاً أن نستهلك القبيح كما نستهلك المنيح لمجرّد إثبات وجودنا في العالم الافتراضي والتهام حلوياته ونفاياته بنفس الشهية.

نعم، العالم يتغيّر ويجب علينا أن نواكبه وننغمس فيه، لكن ذلك لا يعني أن نخسر إنسانيتنا ومشاعرنا وقدرتنا على التواصل السليم. مخاطر تحوّلنا إلى أشخاص تافهين وسطحيين تكبر بشكل قياسي كلّ يوم، خصوصاً إذا كنّا مصرّين على الاختباء خلف جدران التواصل الاجتماعي وعَزل أنفسنا عن المهارات الإنسانية التي جعلتنا أشخاصاً بالدرجة الأولى.

السرطان ليس وباءً ولا نوعاً من المخدرات ولا موضة اخلاقية سيئة للتوعية حولها، السرطان خبيث وقادر أن يصيب الصغار والكبار وكلّ أولئك الذين لم يتلقّوا جلسات توعوية عنه... السرطان في داخل إنسان آخر يحتاج إلى مجموع قدراتنا التعبيرية ومهاراتنا في التعاطف الإنساني حتى يكون لتواصلنا مع المريض بُعد أخلاقي يخفّف مصيبته. نشر صورة بالأبيض والأسود على موقع افتراضي لدعم مريض السرطان مثل تقديم «سوسيت على فريز» إلى شخص يموت من الجوع.

السرطان يشوّه معالم الناس وشكل أعضائهم الخارجية والداخلية، السرطان يهدّ المعنويات ويشظّي الابتسامات... ونحن لا يمكننا أن نتصوّر بأبهى حللنا وأفضل أحوالنا وكلّ أناقتنا، لنتضامن مع امرأة من دون صدر أو رجل من دون خصية أو فتاة من دون شعر... بالتضامن الإنساني ما في تربيح جميلة، أقلّ شيء أن يكون فيه مشاركة في الألم.
التعليقات
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2017 Al Joumhouria, All Rights Reserved.