الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

جوزف طوق
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 30 آب 2016
الحكيم بِهَمّ... والناس بِهَمّ تاني
بعدسة ريشار سمّور
print
favorite
هلّق بيناتنا، المفروض كلّ مدرسة في لبنان تُدخل مادة الطب إلزامياً إلى المناهج، وتبدأ تعليمها إلى الطلّاب منذ دور الحضانة وحتى يصل الواحد منهم إلى سنّ دخول المستشفى، حتى يكون اكتسب من المعرفة ما يكفي ليكون على دراية تامة بما يحصل من حواليه بين أيدي «الجيش الأبيض»، فيعرف التمييز بين أكياس المصل ويفهم أسماء الأدوية لمقارنتها مع الفواتير الملغومة، التي لا يقدر الإنسان العادي اليوم على فكّ طلاسمها وقراءة تشعّباتها الهيروغليفية.

في الحياة اليومية المليئة أوجاعاً وأدوية وتنصيباً، ماذا ينفع الإنسان إذا كان يعرف التفريق ما بين مثلّث «إيزوسيل» وآخر «اكويلاتيرال» أو من سَبَّب الحرب العالمية الأولى، ولا يعرف الفارق بين حقنة «فولتارين» وحبّة «موتيليوم» وإذا كان حقاً بحاجة لجرعة «انديرال» لألم مفاصله.

لماذا تحمينا المدارس من كلّ أصحاب المهن إلّا من بعض الأطباء «التجار»؟ لماذا لا تسعى وزارة التعليم إلى تثقيف التلامذة على مستقبل صحتهم حتى يكونوا قادرين على حماية أغلى شيء في حياتهم من سارقيه والعابثين فيه؟

كلّ واحد بيننا لديه قصة مع بعض الأطباء والمستشفيات ولديه غصّة، فالجشع والغشّ والاحتيال صفات إنسانية لا أحد معصوم عنها وهي موجودة في كلّ المهن، لكن الإنسان لا يخترب مستقبله وصحته ومعنوياته إذا لم تكن زاوية صالونه 90 درجة، ولا تتهدّم الدنيا على رأسه إذا كانت قطع الغيار مش أصلية أو إذا كان الزعتر في منقوشته مش بلدي... لكن اللعب بصحة الناس من بعض الأطباء والمستشفيات هي أخطر ما يمكن ممارسته على الناس الضعفاء والخائفين من المجهول الذي يسبّب آلامهم، وهم مستعدون لتصديق أي كلمة إيجابية ممكن أن تطمئن قلقهم وأي حبّة دواء تخفّف ألمهم ولو حتى بضع ساعات.

غريب أن تصبح العلاقة في لبنان بين المريض وطبيبه مسألة مراهنة على إنسانية الطبيب ومجازفة بمهنيته، في ظلّ الغياب التام لأجهزة الرقابة والمحاسبة الرسمية... بعض الأطباء يصف الأدوية والعلاجات والعمليات الجراحية من دون حسيب أو رقيب، وغالبية المستشفيات، المرموقة منها والشعبية، أصبحت أسواق تجارة بصحة الناس وأرواحها وسرقة أموالها.

يصل المصاب مكَسّر مقطّش عم بيصفّي دمّو إلى باب الطوارئ، فلا تَلكشه ممرضة ولا يلتفت إليه طبيب إذا كان غير مضمون أو مؤمّن صحيّاً أو حامل شي 15 ألف دولار في جيبه... ولكن إذا كان مطابقاً للمواصفات وتسنّى له أن يعلق على أسرّة المستشفيات، تدبّ الإنسانية في قلوب الطاقم الطبّي وتبدأ الحِنيّة تشَرشر من أكياس المصل، فيسمّرونه في سريره ويحتارون كيف يعبّرون عن حبّهم له فيبقونه بدل اليوم أربعة وبدل الأسبوع شهر لمجرّد الإطمئنان إلى صحته، ولا سمح الله إلى نصاحة الفاتورة.

عندما يصبح همّ الحكيم الربح وهمّ المريض الشفاء، يصبح هناك حاجة ملحّة لقوى عظمى تردم هذا الوادي... فمن يقطع يد الطبيب ويحرمه من رخصته عندما يفرض عملية قيصرية على امرأة لا تحتاج واحدة، ويسمح بموت مريض بسبب عوزه، ويُبقي مريضاً ميتاً سريرياً موصولاً إلى أجهزة الإنعاش لتمريك أيام في العناية المركّزة، ويجري عملية جراحية من دون استئصال أو معالجة شيء، أو يصف علاجاً كيماوياً لغير المصاب بالسرطان؟... لا يكفي أن تضعوا مندوباً للضمان في المستشفى، بل يجب وضع شرطة صحيّة تحمي جيوب الناس من السرقة وصندوق الضمان من النهب، وتجلد ضمير كلّ من يتجرّأ على جعل صحتنا سحّارة بندورة... فَشَر.

يعيش بعض الجسم الطبّي اللبناني ضمن هالة تشبه تلك المحيطة بالقديسين، فيتمادى في استغلال خوف الناس وعاطفتهم وضعفهم وألمهم إلى درجة تظهير نفسه صانعاً للعجائب... نحن يكفينا ربّ واحد في السماء، فاعفونا من شر المتألهين الذين يسكنون العيادات وينقّبون عن الذهب في عافية الناس، فحوّلوا المستشفى إلى «مَطهَر» للرعاية الصحيّة.ّ
التعليقات
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2017 Al Joumhouria, All Rights Reserved.