الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

مادلين إسبر
-
جريدة الجمهورية
الخميس 19 تشرين الثاني 2015
إياد قحْوش وملكوت الجمال
print
favorite
الجمال الذي تحدث عنه دافنشي وغوته وتولستوي وغيرهم من المفكرين الجماليين: النظرية الصحيحة يمكن أن توجّه عبقرية الشاعر إذا ما تفهمها بعمق واعتمدها في إبداعه، كما في مؤلفات أرسطو التي بلغ فيها علم الجمال الإغريقي الذروة، وكما في ملحمة جلجامش حيث قضى سرجون كلّ عمره يبحث عن الخلود، وكلّ ما في تاريخ الأدب الجمالي من إبداع وخلق استحضرتهم وأنا أقرأ إياد قحوش في «مملكة الشتي».
نعم، قبل أن تدخل هذه المملكة عليك أن تمارس كلّ طقوس التعبّد والهذيان وتغمس أصابعك بمياه الشعر المقدّسة وتنحني أمام أيقونات من خشب غابات المجد وذهب الزمان. قبل أن تدخل باب المملكة تشتّم عطر ياسمين الشام وعبق الأساطير، والعشق البيزنطي، ورائحة الأرصفة المشتعلة، وطعم حبات العنب التي تذوب حنيناً لكؤوس الغبطة الأبدية.

«مملكة الشتي»
إياد قحْوش الشاعر المارد في الرغبة لاختزال المسافة مابين الحلم والحقيقة، يكتب بسنابل سهول الصيف ويرسم بألوان بساتين الربيع، حيث تتراقص القصائد مع كل فرح ينداح ما بين الأرض والسماء كرات نار وثلج، لأنّ الشعر الجديد هو الفرح الحقيقي الذي لا يموت. يقول في «غابة عيونك»:

«لو كان سقف اللون
قشّه فيّ
قشّه شمس
والصوت بوّابه
لوكان بكرا.. وبعد بكرا
شوي
وما في حكي
وحروف
وكتابه..
كنت بعينيكي بعيش بالغابه».
على ضفاف جداول أنغام الدكتور إياد قحْوش تنمو زنابق الضوء، وعلى نوافذ أشواقه الروحية تغطّ أسراب طيورالدهشة، فمن كلماته المجدولة من صباحات الأعياد ومن سهرات الأعراس، يصنع من عيدان مساكب التراتيل وعرائش المواويل أعشاش حرير ليمامة الحب السرمدي. هكذا يصف في «مملكة الشتي»، «إله الحلا»:
«لبستي غيوم الصيف
أوعى تعجّلي بالليل
بتطيري
ولا تقطفي نجوم السما
السلّه ل معك
م بتوسع زغيري».
فما «مملكة الشتي» إلّا قصائد تخمّرت في دنان معابد آلهة الشرق المقدّس، حيث لا تجفّ دموع الصلاة ولا تيبس جداول المياه.
وبما أنّ الشعر انخطاف بالروح إلى ملكوت الجمال الخاص بالشعراء، كذلك هي «مملكة الشتي» حيث يسافر بك الخيال على بساط الجنّ إلى عوالم من السحر والغرابة والخلق الجديد.
 
«لا حياد»
لا حياد أمام إياد قحْوش قدّيس الجمال الباهر والإبداع الشاهق، لا حياد أمام رسول الصبايا المتوّجات بأغصان الزّيتون والأطفال الذين يرسمون ألعابهم على شواطئ البراءة. لا حياد أمام كبير نسيَ أن يكبر، ليصلّي «وبعدني بحكي متل الولاد الزغار، بقصايدي في طعمة خبز السما، وبكتبي فيه ريحة ملايكي، كأني ما بعرف شي بهالدني، كأني ما بعرف غير صلّي».
لا حياد أمام من كتب ملحمة (جرجي وبالعالي بيروت) التي ألقاها على مسرح كليّة الطبّ في حلب أمام الآلاف من الطلبة في الثمانينات، لتكون نشيد جبال السنديان الذي تمرّ به الريح وتتركه وهي تنزف قهراً. أنا مع شعريّة وشاعريّة إياد قحْوش حدّ التطرّف والتعصّب، ولكلّ ما قدّمه من شعر قارب المقدّس في إيحائه ولامس السماء في سموّه. فقد قطف إياد قحوش زبدة الأحلام بلغّة محكيّة عذبة، ونهض بالشعر المحكيّ ليكون أدباً يستحقّ الوقوف عنده والحديث عنه. ونقل الشعر الشعبيّ والعاميّ من المباشرة إلى مستوى العقل الواعي والمثقف فطرق أبواب النخبة دون أن يتخلّى عن جماهيرية الشعر.
لا حياد أمام قصيدته عواميد تدمر في «بيتين وتنور»:
« الله للي خللى
من الشرق ل حروف
تشوبش لإسم الضو .. وتذيعو
شكّ إيدو بالرمل
تيشوف
ليش العرب بالرمل بيضيعو
شال إيدو وضل .. صابيعو».
لا حياد أمام (كرْم السما) بقصيدته الخالدة التي ستكون عنواناً للمحبة والتسامح في هذا العالم المشوّه بأحقاده والمريض بكبريائه المزيّف، والذي يغصّ بالدم البريء:
«بحبك..
اقتلني إذا بدّك
بعيّنيّي
بصبّك أنا وعم موت .. وبغبّك
وبكرا
بالقيامة إذا فيّي
اتطلّعت
من جرحي لا تتلبّك
قدام الله بقلّك بحبّك».
الرسم جمال، وكذلك الموسيقى والرقص والغناء والنحت وأما الشعر فهو سيد الجمال. هو جمال الجمال لأنّ الكلمة كانت في البدء جسر التواصل بين الإنسان وبين الجالس فوق هذا الكون، وعلينا أن نرفع الجمال عاليا كالشمس لنضيء العالم.
 
«داء الحنين»
في «مملكة الشتي» همس صارخاً بوجه النصلة المسنونة بالحقد، وتمرّد ضدّ الهمجيّة والتمادي في مذلّة الإنسان. إنها إنجيل سلام أبيض ترنّمه أجنحة الفراشات ومحبة خضراء تغنيها أزهار أشجار اللوز والمشمش، وكيف لا تتذكر الأساطير وأنت تقرأ «غابة البخور»:
«بعد الجبل لِ كبير
في غابه
كلّ ل بيموتو بيسكنو فيها
بينفّضو تراب الدّني
بيسكّرو عالوقت بوابه
هونيك
كل الوقت بكير...»
كيف لا تصاب بداء الحنين إلى الغد والذكريات إلى المرأة الأولى والأبجدية الأولى والحب الأول والقبلة الأولى! إلى ذاك العناق الأزلي، إلى قصيدة بحجم قمر، تتناغم كجوقة من الملائكة بلغة الحلم:
«عليّت بقواس القدح
تا يمرق خيالك
عا قد ما تدور الأرض
بتدور كرمالك».
 
«صوت الشام»
«مملكة الشتي» بردى آخر يجري في أعماقنا كاختلاجات روح تبحث عن الأجوبة الكبيرة، كشلال يشدك إلى أعلى الحنين، كصدى يردك إلى حقيقة الصوت، كقطعان من الأحاسيس لاترضى بديلاً عن الأرض الأم. «صوت الشام «
«بريق السّمع
صبّيت منو شوي عاديّي
وغسّلت وجّي
كيف
شفت السّما قدام
عينيّي
سرحت زمان رخام...؟
يمكن ع ديّي سكبت صوت الشام».
لا حياد أمام سيد الشتاء الممتلئ بالنوارس، قلبه البلاد، رغم غربته يعانق ترانيم، يمسح عنها كلّ الذي مرّ وعبر، يجرجر الغيوم لبساتين تحزن كلما تأخر عليها بالمرور.
إياد قحوش لا ينتهي شعراً وهو يقطف العنب من مواسمه العتيقة لتصدح في أعماقنا الحزينة، بل إنه ناسك من «جبل السايح» يهدي البلاد مزهريّات الكلام وخواتم اللغة. و كلما قرأته تقرع في وديان ذكرياتك أجراس الشوق للنقاء والصفاء فتتراقص في معابد قلبك جنيّات الليل كأنها لهب مواقد الشتاء. فها هو الأزرق الأبدي يتبعثر على كل الأبجديات وهو يغني «جنون الشعر»:
«قبل الدني بشوي
فكّرت اطلع من غيابي
وكان
صوتك ب دينيّي:
مافي حدا
بلاقيك ع باب الزمان».
إنه لون العناق وهو يطوف في قلب النرجس وصبية تلقي بخصلة شعرها لتستفزّ كل القصائد. لا حياد أمام ملك «مملكة الشتي» فأنت إما أن تكون معه فتذوب في بوتقة أسرار هذا العالم الساكنة في قصور الشعر الحقيقي أو لا تكون.
 إياد قحوش أنت مملكة للشعر في قلب وادي النصارى، حدودك الألوان، وعاصمتك الجمال.
شاعرة سورية
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2018 Al Joumhouria, All Rights Reserved.