الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

ميريام سلامة
-
جريدة الجمهورية
الأربعاء 14 كانون الثاني 2015
نزاع الحقيقة والخيال «خلف العتمة»
إحتلّ الكتاب المرتبة الثانية في معرض الكتاب
print
favorite
تأرجحنا بين عالمَين جالسين على سطورٍ خطّها سليم اللوزي على صفحات روايته، مُخبِّئاً وراء الحروف مشاعر ماورائية لا نراها إلّا في عالم الأحلام. أدخَلنا تارةً إلى عالم الواقع حيث الأحداث منطقية، عادية، وعَبَر بنا طوراً عالمَ اللاوعي، حيث تتخبّط الأفكار وتتكسّر المحرّمات. هما عالمان لم يلتقيا إلّا في سَرد سليم اللوزي، خالقَين عالماً ثالثاً تجلّى «خلف العتمة».
يفاجئك الكاتب سليم اللوزي في بداية صفحات روايته «خلف العتمة» الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بالأسلوب السرديّ الجميل الذي يقطع أنفاسك مع كلّ فاصلة ونقطة، تاركاً داخلك شعوراً قويّاً يُدخِلك في أحداث الرواية ويشاركك عالم اللوزي الواقعي الخيالي.

لا تفهم في البداية منحى الرواية، ففي صفحاتها الأولى أحداثٌ لا تمتّ إلى الواقع والمنطق بصلة، يُصوِّر أطفالاً يلعبون بالقنابل والسلاح، غير مدركين مدى خطورتها. يبدو واضحاً في تلك السطور الخوف والقلق اللذين أراد الكاتب نقلهما إلى القارئ، فالراوي خائف، لا يدري ماذا يحصل، لا يُصدّق أنّ عالمنا هذا تحوّل خطراً محدقاً بنا.

في قراءتنا لهذا الخوف تتقطّع أنفاسنا، متوقّفين عند كلّ نقطة، فنشعر كأنّنا داخل حُلم الراوي، نخاف مع كلّ مشهد خطير، لنستنتج، ولو في باطن تفكيرنا، أنّ عالمَ الأحلام هذا الذي صوّرهُ اللوزي باتَ يُشبه عالمنا الواقعيّ حالياً. العالم الذي كنّا نخاف منه سابقاً تحوّل حقيقةً مع حمل الأطفال الأسلحة واستخدامها ألعاباً تُفرحهم.

حاول اللوزي تفريق عالمَي الحقيقة والخيال، لكنّهما قد يلتقيان يوماً ما إذا استمرّ العنف والشرّ بالتغلّب على السلام والخير. وقد عبّر الكاتب عن هذا الأمر بنحوٍ رائع قائلاً: «كيف للأطفال أن يَتمرّدوا على أدوات الموت الموجّهة إلى رؤوسهم الصغيرة ويستعملوها لكي يمرحوا. أذكر أنّني في إحدى المرّات شاهدت طفلاً يضع في رقبته قلادة تتدلّى منها رصاصة.

ما هذه العلاقة بين الإنسان والسلاح؟ الأطفال يتابعون لعبهم والقذائف تتابع انهمارها... لا أدري لماذا لم أدنُ من الأطفال. لماذا لم أحذّرهم من القذائف، لماذا لم أقترب وأتلمّسهم. ربّما هُم مجرّد صوَر تتحرّك. فكيف لإنسان حقيقيّ ألّا يتأثّر بالقذائف... ربما إرادة البقاء وحبّ الحياة هما اللذان لم يصدرا الأمر إلى عقلي لكي أتحرّك. بدأوا جمع أمتعتهم. المكان مِن حَولهم أشبه بالجحيم. المباني على الأرض.

الأرصفة مقتلعة من مكانها. رائحة الموت في الجَوّ. لا وجودَ للحياة في الأرجاء. غابَ صوت الضحك. غابَ صوت القذائف. لا أرى شيئاً. أشمّ الروائح وأميّز المشهد. تضاءل الضوء فجأةً، دخلتُ في اللاوعي والعتمة، انطفأت الحواس الخمس».

لاقت رواية اللوزي نجاحاً باهراً مباشرةً بعدَ إصدارها، واحتلّت المرتبة الثانية ضمن فعاليّات معرض بيروت العربي الدَولي للكتاب، لأنّها رواية خارجة عن التقاليد المتعارَف عليها للسرد القصصي، وتبتعد بخيالها لتُلامسَ عالم اللاوعي وكسر المُحرّمات.

يصف اللوزي «خلف العتمة»، قائلاً إنها «واقعيّة وخياليّة، ولا سيّما أنّها تجري في عالمَين، الواقعيّ حيث تجري أحداثه في بيروت، واللاواقعي، أيْ عالم العتمة والنوم والأرق والأحلام، الذي تُجرى أحداثه في ممرّ بيتنا».

في الشِقّ الواقعي، يُخبر اللوزي قصّة رجُل يعيش الروتين القاتل، ولا يغيّر شيئاً في حياته، أمّا في الشقّ الثاني فيتحوّل هذا الشخص إنساناً آخر يعيش في اللاوعي واللاواقع ويبحث عن الحقيقة الكامنة في النزاع بين النصوص والطلاسم الدينية والعلم. وعن هذا النزاع يقول اللوزي: «نحن نعيش في عالم يَتّجه شيئاً فشيئاً صوبَ السحر، ويبتعد أكثر عن العلم، أمّا أنا فأؤمن بالعلم وأفضّل العقل على النصوص».

يَعكس اللوزي في روايته حالاً نفسيّة يَصعب الخروج منها، فمَن يعيش في عالَمَين لا يُفرّق الحقيقة والخيال، وقد يتشارك شخصيّتين في عالم واحد. وفي النهاية، قد يختار الشخص تغليب عالمٍ على آخر، ويُصبح هذا الأمر خَطِراً عندما يختار عالم الأحلام. فيقول: «دخلت غرفتي. لم أعد أتمنّى أن تنساني حالتي، أصبحت جزءاً من تكويني، جزءاً مني، المكان الذي أكسر فيه روتين حياتي، فأطلّ على عالم آخر».

يبحث اللوزي عن معنى الحياة «خلف العتمة» التي خلقت في نفسه عالماً بدا له واقعياً لشدّة تأثيره فيه. تنقّل بين عالمَي الوعي واللاوعي محاولاً حلّ لغز الحياة في حياة جميلة وبسيطة. هذه الرواية صرخةٌ ينادي من خلالها كلّ شخص للتحرّر من روتين الحياة ومَلَلها، ليبلغ السعادة حتّى «خلف العتمة».
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2018 Al Joumhouria, All Rights Reserved.