الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

ميريام سلامة
-
جريدة الجمهورية
الجمعة 12 أيلول 2014
جو أبو جودة لـ«الجمهورية»: الفن علاج روحي وتعبير عن شغفي
ينتقل إلى عالم آخر في لوحاته
print
favorite
الفنان الناجح ليس ذاكَ الشخص الذي يستطيع رسم خطٍ ودائرة، أو يمزج الألوان بتناغم. بل هو ذاكَ الذي يُرسل عبر ريشته مشاعر أحسّ بها، فينقلها إلى عين المشاهد لتدخل مباشرةً إلى قلبه، خالقةً حالاً نفسية في داخله، ترسل روحه في رحلة إلى عالم جديد لا يشبه عالمنا اليوم. فالإبداع الفني هو عندما تُمزج تناقضات الحياة في لوحة، خالقةً تناغماً مضاداً، وعندما تجتمع عناصر لا تتصل ببعضها، محوّلةً ضعف التقنية الفنية قوّةً وإبداعاً في الرسم. فـ جو أبو جودة، فنّان تشكيلي، أوصَلَ عبر تواضع شخصيّته أقوى المشاعر بلوحات تنقل الوجود الإنساني إلى عالم الحلم الخيالي.
«لوحاتي هي المكان الوحيد الذي أستطيع اللجوء عبره إلى عالم آخر حيث لا وجود لنا فيه، فعبر الفن أهرب من هذه الدائرة التي نعيش فيها لكي أتحكّم أكثر بالحياة. فأنتقل من العالم الذي أعيش فيه إلى عالم آخر لا حدود له ولا قيد». بهذه الكلمات عَبّر جو أبو جودة لـ»الجمهورية» عن عشقه للرسم، فهو الفنان الذي لا يرسم بهدف بيع لوحاته، بل هدفه التعبير عن مشاعره لتجسيد الأفكار التي تشغل فكره وباطنه.

دافع داخلي

لا يرسم أبو جودة تخطيطاً مسبقاً عندما يبدأ بلوحة جديدة، فيترك الشعور يقوده ليرسم ما يشعر به فقط. فيقول إنّ الرسم هو الطريقة الوحيدة التي يعبّر فيها عن أحاسيسه ومشاعره. فهي حال نفسية تتجلّى في لوحة معيّنة، لذلك يترك مستلزمات الرسم جاهزة دائماً في مشغله، الذي هو بيته أيضاً، لأنه لا يعرف متى يشعر بضرورة الرسم.

يستخدم تقنية الأكريليك على القماش، ولا يتبع تقنية محدّدة، فأحياناً يستخدم يده في الرسم وأحياناً أخرى أسفل الريشة، وتختلف تقنيّته في استخدام الريشة باختلاف وضعه النفسي. وفي بعض الأوقات يشعر بأنّ اللوحة ترسم نفسها، فعندما ينتهي يبعد قليلاً ليحاول اكتشاف مشاعره الكثيرة التي ضمّنها في كلّ خط ولون.

يؤكّد أبو جودة أنّ «كلّ شخص يرى لوحة وفق مشاعره، فأنا لا أرسم بهدف عرض لوحاتي على العلن. لأنّ الرسم علاج بالنسبة إليّ، يحبّه الناس لأنهم يرون الشغف والقوّة فيه، لذلك تَعلق الصورة في أذهانهم بالطريقة التي يرونها فيها».

الماضي يرسم مستقبلاً فنياً

طوّر أبو جودة موهبة الرسم التي يملكها بمفرده، وبدأ بها منذ صغره، فلم يكن يوماً ولداً يحبّ الاختلاط بالناس، كان يستمتع بالوحدة، لذلك بدأ رسم شخصيات فيها حسّ الطفولة.

وكانت هذه الشخصيات صديقات طفولته لأنه كان خجولاً، فاخترعها ليلعب معها. والدته ساهمت في تنمية موهبته، فهي كانت مغنية وكان يرافقها دائماً في حفلاتها فتعرّف إلى عالم الفن من خلالها، وإلى الفنانين والأزياء والألوان التي اكتشف طريقة التحكّم بمَزجها من خلال مشاهدته الفنانين.

فخلال الحرب اللبنانية، ارتاد مدرسة داخلية في البقاع، ويقول إنها «كانت أجمل أيام حياتي وأتمنى أن تعود لكي أستفيد منها أكثر. لا أنكر صعوبة الابتعاد عن العائلة التي لم أكن أراها سوى مرةّ في الشهر، ولكن الاختلاط بالأطفال الموجودين في المدرسة الذين كانوا بغالبيتهم من الأيتام، أثّر بي إيجاباً، فدفعتني التجربة إلى أن أكون رساماً وفناناً اليوم. فتعرّفت من خلالهم إلى نمط حياة، لم أكن لأكتشفه لولا وجودهم».

«الثوّار»

يستوحي أبو جودة لوحاته من أشخاص، قصص، مشاعر، أحداث، أفكار، وكلّ ما يؤثر به. فمع بدء الحرب السورية شعر بضرورة الرسم، لهَول المشاهد التي كان ينقلها الإعلام، فرسم لوحة عنوانها «The Rebellions»، بطريقة عبّرت عن مشاعره. لم يستخدم الريشة بل استخدم يده في رَمي الألوان على القماش، فشكّلت بقع الألوان الأشخاص الذين يثورون. وقد رسمها بغضب لا يوصف، لأنّ الأحداث التي بدأت بتدمير البشرية كانت قاسية جداً.

وهو يرسم أيضاً كلّ ما لا يُسمَح التكلّم عنه، «وهي مشكلة أواجهها لأنّ المجتمع يرفضها. لكنني مصمّم على إبرازها، حتى لو رسمتها لنفسي فقط. وأرفض عرضها خارج لبنان لأنني أعتقد أن يوماً ما سأتمكّن من عرضها في لبنان من دون أن تشكّل موضوعاً جدلياً يرفضه المجتمع والناس».

فريدا

«علاقتي بفريدا غريبة جداً، فهي أول فنانة غُصتُ في حياتها وتفاصيلها. فتبرز أهمية لوحاتها بإظهارها مشاعرها. هي تقول إنها كانت تشعر بوحدة في وجعها، لأنها لم تكن تتلقّى المساعدة من أحد.

فنرى هذه المشاعر في لوحاتها ونشعر بالقوة التي كانت تمتلكها على رغم المشكلات التي كانت تواجهها. فقوّتها وشخصيتها وحياتها تجعلني أقدّر موهبتها وأحترمها، فكانت سعيدة على رغم ظروفها، وروحها موجودة دائماً في لوحاتها». يُعدّ أبو جودة لوحة كبيرة حالياً، لفريدا حضور قوي فيها، لكنها تختلف عن لوحة «Frida» التي رسمها سابقاً والتي تضمّنت نواحي مختلفة من أعمالها.

فجمع كلّ حالات حياتها على حائط منزلها الأزرق. وقد رسم لوحة أخرى لفريدا أيضاً، تتمثّل بحوت كبير، فهي كانت دائماً تقول إن جسدها عذّبها خلال حياتها لذلك قرّر أبو جودة إعادتها إلى الحياة في جسم حوت. فيقول: «لا أعرف سبب تصوّري لعودتها في جسد حوت.

فتتميّز رسوماتي بعدم تناغم الأشياء التي أرسمها. فحتى لو جَمع الرسام عناصر لا تتناغم مع بعضها، يخلق منها لوحة رائعة لأنّ كل عنصر اختاره لسبب معيّن، واختياره هذا ينمّ عن شعور أحسّه، فمجموعة المشاعر في اللوحة تشكّل حالاً نفسية تُنقل إلى الشخص».

نيويورك

نظّم أبو جودة معرضاً في مدينة نيويورك الأميركية، شكّل نقلة نوعية في حياته. فبدعوة من غاليري أغورا نُظّم المعرض لمدّة سنة، وهو كلبناني تحمّس لهذا الأمر. ولأنّ صورة العرب في الخارج تقترن دائماً بالإرهاب والسلاح والحرب، أراد من خلال هذا المعرض إظهار الصورة الأخرى للبنانيين الذين يرفضون الحروب، وقال: «أعتبر أن معرضي فتح أبواباً للبنانيين آخرين، قادرين على إظهار صورة جميلة للبنان وثقافته الإيجابية والفنية».

كلّ لوحة تملك لفحة من شخصيته ومشاعره، لذلك كلّها عزيزة على قلبه. كان يواجه صعوبة في بيع لوحاته، لأنه يعتبر أن اللوحة خاصة، فيها شيء يخصّه. فالشخص الذي يريد شراءها، اختارها لتناغم الألوان مع ديكور غرفته، وليس للمعنى الذي رسمها أبو جودة على أساسه.

وهذا ما كان يمنعه من بيعها. ولكن يتوصّل الفنان إلى الاعتقاد بأنّ اللوحة التي يبيعها قادرة على نقل مشاعر خاصة. بذلك يكون قد حقّق هدفَ رَسْمِه اللوحة، وهو إحداث شعور معيّن عند الإنسان عندما يراها.

يفتخر اللبناني عندما يرى فناناً يرسم لوحة لِفَنِّها وليس للتجارة بها. فقد نسيَ بعض الفنانين أنّ الرسم تعبير عن النفس، يُطلق الفنان من خلاله العنان لأحاسيسه الدفينة التي لا يتجرأ على البوح بها. وجو أبو جودة أحد الفنانين الذين لم ينسوا الشقّ الفني للرسم، فاتّخذه دافعاً ليعبّر عن فنّه.

هو إنسان قبل أن يكون رساماً، يحلم يوماً ما بتأدية دوره في المجتمع، محقّقاً أحلام أشخاص، تناسى المسؤولون واجبهم تجاه مرضهم. وحلمه هذا سيحقّقه عبر مزجه فنّه بأحلام هؤلاء الأشخاص، محوّلاً الفنّ إلى أكثر من تعبير عن مشاعر، ليصبح رسالة اجتماعية تُفرح القلوب وتبعث الأمل.
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.