الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

ناتالي اقليموس
-
جريدة الجمهورية
عائلتا خوند وعيراني... «حرمونا» منك يا أبي
في عيده... رنا تسأل من حقي معرفة مصير والدي
print
favorite
كادَ الصمت يخرج عن سكوته تأثّراً، ورنا لم تملَّ من طرح الأسئلة على نفسها من دون أن تلقى أيّ جواب. من سيُمسك بيدي إلى باب الكنيسة يوم زفافي؟ إذا التقاني، هل سيعرف أنّني ابنته؟ هل يعلم أنّنا نبحث عنه؟ كيف أغفو ليلاً وهو يتعذّب؟
أكثر من 20 عاماً وهواجسُ إبنةِ المخطوف بطرس خوند، تكبر ككُرة ثلج. لا الشوق إليه أعياها، ولا الحنين إلى أحضانه أضناها، قطعَت وعداً على نفسها أن تكون «صخرة كبطرس»، ولكن مع كل 21 حزيران «حرقة بقلبي بتتجدَّد»، على حدّ تعبيرها.

تختلف معاني عيد الأب بالنسبة لإبنةٍ خُطِف منها والدها، ولم تكبر إلّا مع صورِه منذ أن كانت في الرابعة من عمرها، فتقول لـ«الجمهورية»: «كنتُ أتمنّى أن يكون بقربي نحتفل معاً. المؤسف أنّ مصيره مجهول، لا بل إنّه في مكان يُمعِنون في تعذيبه، فلا القدَر شاء ذلك ولا الله، إنّما هناك من اختارَ له هذا المصير، وقلبَ حياتنا رأساً على عقب».

تحرص رنا في هذا العيد على إلهاء نفسها بالعمل وبقضايا لا تتيح لها التفكير بفقدانِها لوالدها: «أبذلُ ما بوسعي لأُبقي معنوياتي مرتفعة ومتماسكة، خصوصاً أمام والدتي، وأنهمك بمسائل خاصة».

في مقابل صلابة مواقفها، لا تنكر رنا، كغيرها من أبناء المختطفين، شعورَها بأنّ الحياة تضيق بها، ينهدّ حَيلها، فتُخبر: «على رغم أنّ الحياة تُعلّمنا القساوة والتعالي على الجراح، لكنّ بعض المواقف يصعب عليّ نسيانها، وخصوصاً المناسات الشخصية، مثل مناولتي الأولى، تخرّجي من المدرسة... وأحيانا عندما أكون بمفردي أقود سيارتي أتذكّره، وقد أبكي وحيدة، وأكثر ما يزيدني ألماً أنّه لا يمكنني فعل شيء للتخفيف من عذاباته، فأشعر بالذنب، على رغم أنّ دولتي برُمَّتها عاجزة عن التحرّك».

حيال جرحِها الذي لا يندمل إلّا بملاقاة أبيها، تنحني رنا للدور الذي أدّته والدتُها، فتقول: «كانت لي الأب والأمّ، إستمدّيتُ منها قوّتي وشجاعتي في مواصلة الحياة، ولها الفضل الأكبر في عدم إشعارنا بفراغ الوالد».

12 عاماً... كأنها البارحة

في وقتٍ تسترق رنا النظر إلى ملامح وجه عمّها البكر، لتتكهَّن صورة ولدِها بعد هذه الأعوام، في انتظار أن تلتقيه، تستقبل جوسلين عيراني 21 حزيران، بمرارة، وتسأل: «كيف لي أن ألغي هذا اليوم من روزنامة حياتي، وزوجي وُلِد يوم عيد الأب؟».

فعلى رغم مرور 12 عاماً على قتلِ زوجها الشهيد رمزي عيراني، تشعر جوسلين بـ«المرارة ذاتها»، فتتحدَّث عن الأدوار التي تزيد على كاهل الأمّ، وتقول: «على الوالدة مَلء الفراغ، ومَحو الحزن من عيون أولادها، لتُبعِد عنهم فكرة غياب والدهم...».

وتضيف: «حاولتُ قدرَ المستطاع توفير الأجواء المؤاتية لولدَيّ منذ الصِغر، وخصوصاً في المدرسة حيث إحتكاكهما الأوّل مع المجتمع، وبشيء من الفكاهة حاولتُ تمرير بعض الرسائل إليهما».

أكثر ما يزيد دورَ جوسلين صعوبة ومسؤوليّة، المناسبات، وخصوصاً إحياء الذكرى السنوية لاستشهاد زوجها، فتقول: «مثل بقيّة أولاد الشهداء، تُعيد هذه الذكرى إلى أذهانهما حجمَ مأساة الواقعة، وتؤجّج حزنَهما، لذا تكون فترات المناسبات أصعب من غيرها، نظراً إلى الأثر الذي تولّده. ولا شكّ في أنّ طريقة قتل رمزي بعد فترة على خطفِه، لها تأثير خاص، من هنا يترتَّب على الأم مسؤوليات لم تختبرها سابقاً».

لا تُنكر جوسلين أنّها قد تكون أضعفَ من ولديها، أحياناً، ولا تجرؤ على التحدّث معهما عن والدهما، فتقول: «كنتُ أعتقد أنّهما لا يعلمان ببعض الصوَر المؤثرة المحيطة بجريمة قتل رمزي، ولكنّني اكتشفت أنّهما على معرفة، إلّا أنهما لم يحاولا فتح الموضوع معي».

في كلّ الظروف تحرص جوسلين على إخفاء حزنها عن ولديها: «قد تبدو الحياة ظالمة، ولكن على الأمّ أن تغلق باب غرفتها، وتدع حزنَها جانباً لتعيش حياةً أخرى مع أولادها، على نحوٍ لا تلقي همّها عليهم، بصرفِ النظر عن عمق المأساة».

علم النفس

يولي الاختصاصي في الأمراض النفسية والعقلية الدكتور أسامة دحدوح أهمّية كبيرة لحضور الأبوين في الأسرة، فيقول: «يختلف دور الأب نفسياً عن مهمّة الأم، فهو يشكّل رمز السلطة الأبوية و«الوهرة» التي تُتيح للولد أن ينمو على نحوٍ طبيعي ويكوّن ذكاءَه الإيجابي، ولا نعني بهذه السلطة الصراخ والضرب، إنّما المثال الأعلى والقدوة المعنوية والجسدية التي يستند عليها الأولاد».

ويضيف: «أمّا سلطة الأم، فتشكّل مصدر الحنان والعاطفة، تساعد أولادها في التعبير عن مكنونات صدورهم. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ السلطتين تتمتّعان بميزتَي الهدوء والجدّية في التعامل مع الأبناء».

ويُشدّد دحدوح في حديثه لـ«الجمهورية»، على ضرورة مصارحة الأولاد بحقيقة غياب الأب عن أسرتِه، قائلاً: «سواء غيَّب الموت الوالد أو خُطِف، فلا بدّ من إخبار الولد بتفاصيل ما حدَث وإشراكه بما نشعر به، فذلك يُخفّف عنه صعوبة مرارة اكتشاف الواقع الأليم في مرحلة لاحقة، ويتيح له الترعرُع على نحو سَويّ. فمعرفتُه المبكرة للحقيقة المُرّة تُخفّف عنه مشكلاتٍ وعقداً نفسية في المستقبل».

هل من بديل؟

يُحذّر دحدوح من إبقاء الولد معلّقاً بمنطقة رمادية، فـ«معايشة الأوهام والوقوف على الأطلال قد تُلهي الولد عن مواصلة مسار حياته وتحقيقه لذاتِه، من هنا لا بدّ من التأكّد أنّه تعايشَ مع الواقع من دون أيّ لبسٍ أو أوهام».

أمّا بالنسبة إلى أساليب تعويض غياب الوالد، فيجيب دحدوح: «لا شكّ في أنّ للأم دوراً أساسياً في مَلء الفراغ ومسانَدة الولد ليواصل حياته طبيعياً، عبر توفير الدعم المعنوي والعاطفي»، مؤكّداً «أنّ الإغداق بالهدايا والمشاعر المزيّفة على الولد، قد يزيد وضعَه سوءاً»، لذا يَنصح في عدم التردّد باستشارة اختصاصيّين.

في حالتَي خوَند وعيراني ترتسم في الأذهان صورة واحدة... صورة الحرب بكلّ بشاعتها، وبأشكال مُختلفة، بينها الخطف، مثلما حصَل مع خوند وعائلة جوزف صادر وعشرات العائلات الأخرى التي لا ذنبَ لها سوى أنّها آمنت بلبنان وصمّمت على البقاء فيه، هذا من دون فتح ملفّ المُعتقلين في السجون السوريّة، الذي ما زال حتّى اليوم يشكّل جرحاً نازفاً في وجدان مئات العائلات اللبنانيّة.

أمّا الوجه الآخر للحَرب، فهو الاغتيال السياسي الذي أدّى إلى حرمان عائلات الشهداء من حُضور الأب ودوره، وذلك لسبب أوحد ألا وهو أنّ هؤلاء الآباء وغيرهم قرّروا مُمارسة دورهم في قلب العائلة الوطنيّة، فكان نصيبهم الاغتيال.
التعليقات
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2017 Al Joumhouria, All Rights Reserved.