الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

مارون ضاهر
-
جريدة الجمهورية
شغفٌ حتّى الرمق الأخير
print
favorite
قالت لي ذات يومٍ وأنا ممسكٌ بيدِها، أتأمّلُ شعرَها المنسدلَ على كتِفَيها المُلوَّحَين بشمس تموز... لِمَ هذا الشغفُ المُرتسمُ على ملامحِكَ يطفحُ حُباً، وكأنّك لم ترتوِ منّي بعد، وها هي الشمسُ التي اصطحبتنا صباحاً، أقفلت راجعة نحو المغيب؟

فاحتضَنتُها حتى أحسستُ بدفء أنفاسِها، وقلتُ لها متسائلاً: أترينَ تلك الأمواجَ الآتيةَ من البعيد، على صهوةِ تيارٍ جامِح، كيف تُرغي وتُزبدُ مُسرعة نحو الشاطىء لتتكسّرَ فوق الصخور؟

إنها مثلي تماماً، يسكنُها الشغف، فهي لا تهدأ، ولا ترعوي، فالشوقُ الذي يدفعُها نحو الشاطئ هو ذاتُه الذي يدفعُني إليكِ، والشغفُ الذي يشدُّها إلى الصخورِ والرمالِ، هو الشغفُ نفسه الذي يشدُّني إلى صدرِكِ الخافِق... وهي ما إن تتكسّر حتى ترتاح على الرمال... مثلي أنا، فلا شيءَ يريحُ عذابي، ويُخفّفُ شوقي، كهضابِ جسدِك، وتلالِ صدرِك، ومنحدراتِكِ التي يستهويني التزحلقُ فوقها، أمّا نظراتُ عينيكِ الناعستين، فأتشبّثُ بأهدابِهما وأغرقُ في بحرهِما الثائر، المُحمّلِ بالأسرار، ثم أعود في الغدِ لأتكسّر على شاطئِهما الجميل.

وسألتُها: هل تذهبُ الأمواجُ المُتكسّرةُ إلى غير رجعة، أم أنّها تعودُ بالسرعةِ ذاتها والشوقِ ذاته والشغفِ نفسه، لتتكسّرَ من جديد على الشاطىء ذاته والرمال ذاتها؟

هكذا أنا، فلا أعيش إلّا إذا تكسّرت أنفاسي فوق ثغرِكِ التوتيّ، وتحطّمَت نبضاتُ قلبي على صدرِكِ العاجيّ، وإلّا إذا أحسستُ أن شغفي يترامى عند قدميِكِ، ويغفو على صوتِ صمتِكِ المتفجِّرِ من الأعماق.
ألم تسمعي بعطاء الذاتِ بِلا مُقابِل؟

ها هي الثلوجُ تتساقطُ في فصل الشتاء على قممِ الجبالِ فتغمرُها بصقيعِها، ثم تذوبُ وتذوبُ حتى تختفي، فهلّا قلتِ لي ماذا جنَت من ذوبانِها؟
وها هي الأمطارُ تهطلُ فوقَ الأرضِ العطشى، فترويها حتى الثمالة، فماذا جنَت من كل هذا؟

وها هي الشمس تُشرق كل يوم، فتطردُ العتمةَ من فوق صدورنا، وتغمرُ الجبالَ والسهولَ والوديانَ بدفئِها. ومثلُها القمرُ...يطوفُ في الفضاء الرحيب، فيبدّد سوادَ الليل، ويُضيء المفارقَ والدروبَ بخيوطِه الفضّية. فهلّا قلت لي ماذا جنَيا من كل ذلك؟

وهل تقولين لي كيف يجني النحلُ العسلَ ويكدِّسُه في القفران، فيقطفُهُ الإنسانُ شهداً ويتلذّذ بمنافعِهِ وخصائصِهِ، فيما النحلُ يبقى الشغفُ عندَهُ ملاطفة أكمامِ الوردِ وامتصاصَ أفواهِ الزهر؟

هكذا أنا، لا يهمُّني إن تكسَّرتُ على شطآنِك، وأذبتُ ذاتي كالثلوجِ فوق قممِ جسدِكِ العاجيّ، وأمطرتُ عطشكِ لترتوي، وأضأتُ دروبَكِ ليلَ نهار، وامتصصتُ من ثغرِكِ التوتيّ عسلاً وشهدا، وأقمتُ لي مسكناً بين أهدابِك...لأنّي سأعود كلَّ صباح، لأتنفّس حبّاً لا ينتهي، وشغفاً سيسكنُنِي حتى الرمقِ الأخير.
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2018 Al Joumhouria, All Rights Reserved.