الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

جورج علم
-
جريدة الجمهورية
عباءتان تعرّيان الكيان
print
favorite
يشكّل مؤتمر الحوار المسيحي – الإسلامي، بارقة أمل في محيط مضطرب. قيل فيه الكثير، وبعض ما قيل إنّ التوقيت مهمّ، إذ ينعقد مباشرة بعد طاولة القصر الجمهوري في بعبدا، ليؤكّد بأنّ الحوار في هذا البلد يفترض أن يكون ثمرة كلّ الفصول، وليس مجرّد ظاهرة سرعان ما تتلاشى، أو «صرعة» تبوخ موضتها مع مرور الوقت، إنّه قدر لبنان واللبنانيين، والأقنوم الأوّل من ثالوث وطنيّ مقدّس، قوامه: الحوار، والتفاهم، والتسوية، ولبنان بلد التسويات، ولا تسوية من دون تفاهم، ولا تفاهم من دون حوار.

قيل فيه بأنّه رسالة تنطوي على عناوين واضحة في زمن الانتفاضات المسلّحة، والفتن المذهبيّة، تؤكّد على أنّ الحوار يكون عن طريق الكلمة، والرأي، والعصف الفكري، لا عن طريق الرصاصة، والقذيفة، والمتفجّرة، إنّ الأوّل يقود الى الجمع، فيما يقود الثاني الى الطرح والقسمة.

وأبرز ما قيل عن المؤتمر إنّه مجرّد قيمة تضاف على مسار دولي - إقليمي بدأ بانفتاح أميركي متعمّد على رئاسة الجمهوريّة، بعد طول تجاهل، وعزلة، وذلك عندما اتّصلت السيدة هيلاري كلينتون بالرئيس ميشال سليمان، وكلّفت معاونها جيفري فيلتمان بمقابلته في مهمّة اتّصفت بطابع خاص.

وتعمّد هذا الانفتاح عربيّا بمباركة ملكيّة سعوديّة مفاجئة، وردت في برقية الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى الرئيس، وحرّكت مناخ الحوار، ونفضت غبار التراكمات عن طاولته.

وتمكّن هذا المسار حتى الآن من الإمساك بالمرحلة الانتقاليّة التي «يتخبّط» فيها لبنان، حرصاً على الحدّ الأدنى من الهدوء والاستقرار، ومحاولة الإمساك بالأرض، للحؤول دون تحويلها إلى ساحة مفتوحة أمام الآخرين لتصفية حساباتهم من كيس اللبنانييّن.

ويصف دبلوماسيّون أوروبّيون المؤتمر «بالحلقة الجديدة الإضافيّة التي تكمّل العقد، على أن تكون درّته الثمينة، زيارة البابا بينيديكتوس». ويعتبر هؤلاء أنّ المؤتمر يأتي كتفصيل في سياق الترتيبات التي بدأت لاستقباله، وإذا تمّت الزيارة بالمكان والزمان المحدّدين، ولم يحصل أيّ تأجيل أو تبديل، فهذا يؤشّر إلى وجود معطى دوليّ قد يسفر عن تكليف لبنان بوظيفة حضارية جديدة، أن يكون مختبر الحوار، وأرض الرسالة، ووطن التواصل والانفتاح على الآخر، والاعتراف به وبخصوصيته، والتفاعل معها.

ويتوافق هذا التوجّه مع كلام جدّي عن مشروع ينطوي على بعد وجوديّ – إستقلالي، توحيدي مسلوخ من معاناة التاريخ والجغرافيا لهذا اللبنان، من حقائقه أنّ هذا البلد ليس قويّا بمقاومته، أو جيشه، أو نفطه، أو إقتصاده، أو مناخه... قوّته في الحاجة إليه أن يبقى نموذجاً للتفاعل بين 18 طائفة تعيش تحت سمائه، وفوق أرضه، وعندما تنتفي الحاجة الدوليّة إلى «هذه التعدّديّة الحضاريّة»، يتفكّك لبنان تلقائيّاً، وينهار بمجرّد إنهيار طائفة من طوائفه، أو مذهب من مذاهبه.

وعندما يقتنع فريق رئيسيّ من مكوّناته الاجتماعيّة بأن لا طاقة له في التعايش مع الآخرين، واحترام خصائصهم وخصوصياتهم وتقاليدهم وعاداتهم، ينفرط العقد، وتتفرّق مكوّناته.

هذا المشروع الطريّ العود والذي لم يشتدّ ساعده بعد نظراً لما يجري من حوله من متغيّرات سريعة تأخذ في غالب الأحيان طابعاً عنفيّا، يقابل بمشروع آخر مضادّ له على أرض الواقع، وينطوي على «تمايزات» منها: «نريد لبنان أرض الحوار، ولكن مع التسليم بأنّ جبهة الجنوب إيرانيّة، وتمثّل الامتداد الإيراني الاستراتيجي والثقافي، ليس مع إسرائيل وحدها، بل مع المحور الأميركي – الأوروبي – العربي – الإسرائيلي في المنطقة.

ونريد أيضا، وبالمقابل، أن يكون للأصوليّة مكان بين مجموع الـ 18 طائفة. أصوليّة لها زيّها، ومظهرها، ومنطقها، وثقافتها، وعاداتها، وتقاليدها، وشعاراتها التي لا تعترف بلبنان، ولا بالجمهوريّة اللبنانيّة التي يرأسها رئيس عربي مسيحي، ولبنان الذي تعترف به تريده أصوليّا أوّلاً، أو إمارة إسلاميّة، أو دولة خلافة».

والحوار مع الأصوليّين قائم، كما هو قائم مع أهل السلاح. والجامع المشترك بينهما انعدام الثقة.

الأصوليّون ينظرون الى الحوار كمشروع يرمي الى تذويب شخصيّتهم المعنويّة. وأهل السلاح يريدون الحوار المدعوم بالسلاح، والنتيجة ما هو حاصل اليوم، دوران في الحلقة المفرغة، طالما إنّ البعض يريد الحوار للتخلّص من آفة السلاح، فيما البعض الآخر يريده، وعلى قاعدة السلاح زينة الرجال؟!».

مشروعان يتحكّمان بالمرحلة الانتقاليّة. ويبقى لبنان إذا توافق المجتمع الدولي على تكليفه بوظيفة الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات، ويزول تحت وطأة سلاحين: السلاح الإيراني المتدثّر عباءة حزب الله، والسلاح الأصولي المتدثّر عباءة الإمارة والخلافة؟!...
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2018 Al Joumhouria, All Rights Reserved.